كهنة القداس الأخير
فات الأوان عن أي حديث , في العقل , وفي القلب , عن الأزمة . اثنان , رجلان , يتراشقان , بالألعاب النارية , على … أيواب جهنم !
الكل بات يعلم أن الكي دورسي (وزارة الخارجية الفرنسية) أطلقت صرختها الأخيرة لتقول لأباطرة الدنيا أن ثمة بلداً لطالما كان أريكة القمر , بل وأريكة الله , يلفظ أنفاسه الأخيرة . لا أمل في الانقاذ . لا دولة , ولا شعب , في لبنان . كيف يمكن لجمهورية أن تقف على ساق من الطين ؟
أي لبنان بعد “الاثنين الأسود” ؟ ليس أمامنا سوى النموذج اليمني . قطعاً , الطوائف أكثر غرائزية , وأكثر تخلفاً , بل وأكثر وحشية , من القبائل . يفترض أن نتوقع الجيوش على أرضنا , وهي تقاتل بنا , وعلى أرضنا , وفوق جثثنا . أولئك الديناصورات لم يحاولوا يوماً اقامة دولة تليق بالبشر لا بالذباب .
لعلكم قرأتم بيان ثلاثي رؤوس الحكومات , الثلاثي الجهنمي , (يا تمام سلام ماذا تفعل هناك ؟) , بثقافة الكهوف , وربما بثقافة السواطير , يختزلون الأزمة , وهي أزمة البقاء واللابقاء , بصراع الصلاحيات . أي صلاحيات حين تعرض هياكلنا العظمية في المزاد العلني ؟
ليس صحيحاً أن رئيس الجمهورية باق في القصر من أجل لبنان . انه الجنرال الذي كان يفترض أن يقول لـ”شعب لبنان العظيم” , وقد بات شعب الجوعى والمعوزين , “أنا أتنحى لأن البلد ذاهب , بيد تلك الطبقة السياسية الرثة , الى جهنم” . لا أن يبشرنا بأننا ذاهبون الى جهنم , وهو باق على عرش قسطنطين الأكبر .
وليس صحيحاً أن الرئيس المكلف يتمسك بصك التكليف من أجل لبنان , وهو الذي يبحث , تائهاً , عن مرجعية ما , بعدما فقد مرجعيته التي كانت تحركه بالاصبع , وربما بالعصا , لا باليد , ولا بالرأس , ولا بالصولجان .
كيف لجبران باسيل أن يقنعنا بأنه يدافع عن حق الموارنة الذين هم الأساس في وجود لبنان , ويقتضي ان يكونوا الأساس في بقاء لبنان , لا الانزلاق في ثقافة الكراسي , وفي ثقافة الأنانيات ؟
على الضفة الأخرى , سعد الحريري . ياجماعة , من البداية , هذا رجل البيفرلي هيلز , لا رجل باب التبانة . رجل التزلج على سفوح الألب , لا رجل التزلج على آلام الأزقة , لكي يعرف ثمن ربطة الخبز . الخبز وقد بات الملاذ الأخير للبنانيين الذين يدق الجوع على بطونهم لا على أبوابهم . قبل أن نسأل ماذا قدم للبنانيين , نسأل ماذا قدم للسنة سوى المناصب , وسوى المواقع , للأزلام , ولناقري الدفوف ؟
هل من مرة واحدة قال سعد الحريري “هذا مشروعي للبنان ولانقاذ لبنان” . رفيق الحريري الذي وصفته “الاكسبرس” بـ”السيد معجزة” قال لنا , بحضور الشخصية السياسية الخليجية البارزة محمد جاسم الصقر “أنا هنا لبناء لبنان” , قبل أن يكتشف , وكما قال لنا كريم بقرادوني على شرفة بيت الكتائب المركزي , أن السياسة في لبنان هي لعبة الأقبية , ولعبة الدهاليز , ولعبة الخنادق …
حتى أن بهاء الحريري الذي وعدنا بمشروعه للانقاذ قبل آخر العام , لم يقل لنا لماذا ابقى مشروعه على الرف , بعدما راهن , وكما حال أحمد الجلبي في العراق , الدخول الى بيروت على متن دبابة أميركية , أو على متن دبابة اسرائيلية , ليكون”رجل صفقة القرن” في السرايا التي أعاد أبوه ترميمها لتكون مقر الصدر الأعظم , لا مقر الحاخام الأعظم .
بالرغم من كل شيء , نحن مع سعد الحريري في رفض الثلث المعطل بعدما أهين , بتلك الطريقة المروعة , عام 2011 حين دخل الى البيت الأبيض رئيساً للحكومة , وخرج منه رئيساً سابقاً للحكومة . ولكن متى أثبت أنه رجل الدولة , الضليع في الشعاب الللبنانية , وفي الشعاب الدولية والاقليمية , لا رجل تسويات منتصف الليل ليبقى ممسكاً , كما الآخرون , بمفاتيح مغارة علي بابا ؟
الآن , كلنا في لحظة السقوط الكبير . لا جدوى من التظاهرات (الفقاعات) التي لطخها قطاع الطرق من أزلام الأحزاب وغير الأحزاب .
ما حدث بعد ظهر الاثنين أظهر أننا أمام كهنة القداس الأخير . عربة الموتى باتظارهم وبانتظارنا …