مقالات رأي

أساليب وضوابط الخصخصة

بقلم القاضى المستشار / رفعت مهنى مهاود

أولاً: أساليب الخصخصة
تنفذ الخصخصة عن طريق أحد أسلوبين، أولهما سوق الأوراق المالية، وثانيهما البيع خارج سوق الأوراق المالية:
1- تنفيذ الخصخصة داخل سوق الأوراق المالية:-
يتم وفقاً لمناهج مختلفة:
أ ـ العرض العام للأسهمl’offre public de vente :-
تفترض هذه الطريقة تقسيم القيمة المالية للمشروع المراد تخصيصه إلى مجموعة من الأسهم، ومن ثم طرحها على العموم، وقد يقتصر هذا الطرح على السوق الداخلية أو قد يشمل السوق الدولية أيضاً، وقد يشترط عندئذ أن يكون غالبية حملة الأسهم من مواطنين البلد، وذلك لضمان إستقلال القرار الوطني في إدارة المشروع، وتستهدف هذه الطريقة توسيع نطاق المشاركة الشعبية في ملكية المشروعات الإقتصادية، ويتميز هذا الأسلوب ببساطته وشفافيته.
ب ـ العرض العام للتبادل l’offre publique d’échange:-
مؤدى هذه الطريقة قبول تبادل أنواع من الأوراق المالية مثل شهادات الإستثمار أو سندات القروض، مقابل أسهم الشركات المراد تخصيصها، وتبدو هذه الطريقة كالمقايضة، والهدف منها تيسير الوفاء في دفع قيمة أسهم المشروعات محل الخصخصة.
ج ـ طرح الأسهم على العاملين في المشروعات المراد تخصيصها la reprise de l’entreprise par les salariés:-
يقوم هذا الأسلوب على أساس تخصيص أسهم الشركة المراد تخصيصها كلها أو بعضها للعاملين فيها من دون أن ينافسهم أحد من الأفراد الآخرين، أو إعطاء العاملين أولوية على غيرهم من المواطنين، أو توفير مزايا خاصة لهم في الثمن أو في شروط الدفع، أو في مزايا ضريبية، لا يتمتع بها غيرهم، ويجد هذا الأسلوب مبرره في كون العاملين في غالبيتهم العظمى من الطبقات الكادحة التي لا تملك إلا القليل وبالتالي فإنه من الضروري دعمها وتشجيعها على المشاركة في تملك أسهم شركات القطاع العام، مما يؤدي إلى زيادة إرتباطهم بهذه المشروعات، كما أن هناك مبررات سياسية أخرى لهذا الأسلوب، إذ يتوقف تنفيذ الخصخصة في بعض الأحوال، في بعض المناطق أو بعض القطاعات الصناعية، على توفير حافز مادي خاص للعاملين، ولكن لهذا الأسلوب محاذيره التي تتمثل في إمكانية هيمنة المديرين وكبار الموظفين في المشروع، مما يحول من دون أستفادة العاملين الصغار بصورة واقعية من نتائج خصخصة المشروع، وذلك إضافة إلى حجب المشروع عن السوق الدولية مع ما يعنيه ذلك من خسارة أستثمارات خارجية قد تكون ضرورية للإقتصاد الوطني.
د ـ طرح الأسهم على العموم القاطنين في المنطقة التي يوجد فيها المشروع:-
وتطبق هذه الطريقة خصوصاً إذا كان المرفق محل الخصخصة من قبيل المرافق المحلية، وتجد مبررها في كون القاطنين في المنطقة التي يوجد فيها المشروع الأكثر مصلحة في الخدمات التي يقدمها، بحكم أنه ينهض بنشاطه لمصلحتهم فقط، ويؤثر بالتالي على حياتهم تأثيراً حيوياً.
2- تنفيذ الخصخصة خارج سوق الأوراق المالية:-
يتم تنفيذ الخصخصة ببيع المشروع كتلة واحدة، ويتم ذلك بأكثر من أسلوب:
أ ـ البيع عن طريق المزاد العلني بطريق الإرساء التلقائي:-
يتم في هذه الحالة الإعلان عن البيع على المستويين الداخلي والدولي أو على المستوى الداخلي فقط، وذلك بحسب قدرة السوق الداخلية، ومن ثم تعقد جلسة علنية للبيع بين المتقدمين للمزاد، ويتم البيع للعارض الذي تقدم بالسعر الأعلى من دون الأخذ بعين الإعتبار لأي عوامل أخرى.
ب ـ البيع عن طريق المزاد العلني على أساس عدة معايير:-
تتم المفاضلة بين العروض المطروحة لشراء المشروع لا على أساس السعر المطروح فحسب، بل أستناداً إلى عدة معايير أخرى إضافية مثل سوابق الخبرة المتوافرة لدى العارض في إدارة مشروعات مماثلة للمشروع محل البيع، أو مدى جودة الخدمة التي سيقدمها العارض عند تسييره للمرفق محل البيع.
ج ـ البيع عن طريق التعاقد المباشر:-
ويتم إختيار المشتري في هذه الحالة بالطريق المباشر من دون منافسة مع غيره من العارضين، بحيث يتم الإتصال به، والتفاوض معه، ومن ثم التعاقد معه على البيع، ومن دون شك فإن هذه الطريقة تفتح الباب واسعاً أمام الفساد، وقد تؤدي إلى بيع المشروع بأقل من قيمته الحقيقية.
ثانياً : ضوابط الخصخصة
1- شرعية الخصخصة ومشروعيتها:
ويقصد بشرعية عمليات الخصخصة ضرورة توافر المناخ القانوني السليم لتنفيذها وقيامها، وهذا المناخ القانوني يتعلق عامة بضرورة إنسجام عمليات الخصخصة مع كل القواعد القانونية السائدة في الدولة التي تنفذ فيها عمليات الخصخصة، وعلى الأخص القواعد الدستورية منها، بإعتبارها تقنن القواعد العامة التي تحكم الإتجاهات الإقتصادية الكبرى للدولة، فمن غير المعقول أن تتم عمليات الخصخصة إذا كان الدستور لا يجيزها، أو يعطي أهمية كبرى للقطاع العام، ويُعدّ الدستور الفرنسي من الدساتير التي أباحت الخصخصة صراحة، وبشرط أن يتدخل المشرع، ويصدر قانوناً بتنفيذها. وإضافة إلى ما تقدم فإن عمليات الخصخصة يجب أن تتم في إطار من المشروعية، بمعنى ضرورة توفير القبول الإجتماعي لها، وهو أمر يجاوز مجرد التحقق من توفير الإطار القانوني السليم إلى ضرورة خلق الشعور العام بأن هذه العمليات تتم مراعاة للمصلحة العامة، وفي إطار من العدالة والإنصاف.
2- خروج المرافق العامة ذات الطبيعة الدستورية عن نطاق الخصخصة:
والمرافق العامة الدستورية les services publics constitutionnels هي المرافق العامة ذات الطابع القومي الشامل، والتي تقوم بسد الحاجات الضرورية والعامة، والتي يجب أن تستمر في عملها، وإلا تهدد بقاء الدولة ذاتها للخطر، مما يعني وجوب إبقائها تحت لواء الإدارة العامة، ضماناً لحسن إستمرارها في أدائها لعملها، من دون توقف أو تعثر، وبالتالي ضرورة إبعادها عن دائرة المرافق التي يجوز تخصيصها.
وهنا يجب التنوية أن المرافق العامة الدستورية تنقسم إلى نوعين:-
أ – مرافق دستورية تتفق مع الوظائف المرتبطة بسيادة الدولة، مثل الدفاع والقضاء والعلاقات الدولية والشرطة والضرائب.
ب – مرافق دستورية لا ترتبط بسيادة الدولة مثل التعليم والصحة.
مع ملاحظة أن النوع الأول من المرافق الدستورية لا يجوز إخضاعه لعمليات الخصخصة نسبياً أو مطلقاً، أما النوع الثاني فيمكن إخضاعه لمثل هذه العمليات نسبياً وجزئياً، بمعنى أن الدولة ملزمة بأن تقوم بالمهام التي تستلزمها كل هذه المرافق، ولكن ذلك لا يمنع من مشاركة القطاع الخاص لها في أداء جزء من هذه المهام، فإذا كان مرفق التعليم مثلاً مرفقاً دستورياً يجب أداءه عن طريق الإدارة العامة فإن ذلك لا يمنع من وجود قطاع تعليمي خاص يشارك في أداء هذه المهمة ذاتها، مع عدم جواز إنفراد هذا القطاع الأخير في أداء الخدمة التعليمية في الدولة.
3- ضرورة مراعاة الإستقلال القومي وحماية المصالح القومية:
إذ يجب أن لا يكون من شأن الخصخصة الإخلال بالإستقلال القومي للبلاد، ويتحقق ذلك خصوصاً عن طريق إقفال الباب أمام الأجانب للسيطرة على المصالح الحيوية في الدولة، مثل مشروعات الطاقة والإتصالات، لذلك تنص بعض القوانين على تقييد حق المستثمرين الأجانب في تملك المشروعات المخصخصة، كما هي الحال في القانون الفرنسي مثلاً، والذي لا يجوز بمقتضاه أن تتجاوز ملكية الأجانب 20% من قيمة الأسهم، كما أن القانون ذاته أجاز لوزير الإقتصاد تخفيض هذه النسبة إذا ما تطلبت حماية المصالح القومية ذلك، وتتحقق مراعاة المصالح القومية أيضاً عن طريق ممارسة أنماط رقابية معينة من قبل الدولة على تسيير المشروعات المخصخصة، ومن أهم ما تلجأ إليه الدولة لتحقيق رقابة على المشروعات نظام الأسهم الذهبية الخاصة les action specifiques، وهي أسهم نوعية أو متميزة تعطي لأصحابها حق الإدارة والهيمنة على المشروع.
4- أن يكون نقل الملكية للقطاع الخاص نظير ثمن عادل:
ومعنى ذلك عدم جواز بيع المشروعات العامة الخاضعة للخصخصة بأقل من قيمتها، وذلك إستناداً إلى ما تقتضيه حرمة الأموال العامة من حماية الذمة المالية للدولة ضد أي محاولة للنيل منها، وإستناداً إلى مبدأ المساواة الذي يقتضي عدم جواز أستفادة أشخاص محدودين من شراء مشروع عام بأقل من قيمته، ولا يكون الثمن عادلاً إلا إذا تم تقييم المشروعات وفق طرق موضوعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى