مقالات رأي

عباس ابراهيم ومفترقنا التاريخي

نبيه البرجي

محاولة للابتعاد عن يوميات اليأس , ويوميات الفساد , ويوميات القاع . كلام في اللواء عباس ابراهيم , بالمناقبية الاستثنائية , وبالأداء الاستثنائي , وبالصدقية الاستثنائية التي تمتد الى اقاصي الدنيا …
هو الذي , كرجل دولة بالمعنى الحقيقي لرجل الدولة , يفاوض في الأمن , وفي الاقتصاد , وفي الديبلوماسية , وحتى في الاستراتيجيا . ما علينا الا أن نتمنى أن يفاوض الله للحد من جنون ملك الموت , بوجهه القميء , وهو الذي بمنجله يقطع عنا حتى الهواء .
كفانا ثرثرة على الشاشات , وكفانا بهلوانيات , وكفانا دونكيشوتيات , في ادارة الصراع ضد الكورونا . هنا نتوقف عند فراس الأبيض وجورج كتانة , على الخط الأمامي للحد من الايقاع الكارثي للوباء . كلنا في الدائرة الحمراء باستثناء أصحاب القامات المقدسة الذين لا تقترب منهم الجائحة , ربما لا مكان لهم في العالم الاخر بعدما فعلوا ما فعلوه بذلك الحطام الذي يدعى لبنان …
لأن اللواء ابراهيم , بأدائه البعيد عن لوثة الضوء ولوثة الضوضاء , يستحق أن يكون “رجل لبنان” , بل و”رجل اللبنانيين” الذين فقدوا أي أمل في الخلاص من عتمة الأقبية , وعتمة القصور . أنصاف الآلهة الذين باتوا في نظر الأكثرية … أنصاف الأبالسة !
الرجل الذي يعلم كيف يتعامل الساسة الموتى , ساسة حارة “كل مين ايدو الو” , مع المفترق التاريخي الذي يدق أبوابنا . المؤسسة اليهودية, بامكانياتها الأخطبوطية , لطالما وضعت في رأس أولوياتها تصفية الظاهرة اللبنانية كونها تمثّل الخطر الأكبر ليس على الأمن الاستراتيجي فحسب وانما على الأمن الوجودي أيضاً لاسرائيل التي لم تتوقف , يوماً , عن سياساتها الاسبارطية .
في غياب أي حالة , الحالة العربية (العرب عالّة لا حالة). كل رؤية لمستقبل المنطقة لا بد أن تأخذ بالاعتبار أين ينتهي الخط الساخن بين واشنطن وطهران .
الأميركيون يريدون التقدم خطوة نحو ايران تستتبع , بالضرورة , خطوات كبرى . الايرانيون يريدون التقدم خطوة نحو أميركا تستتبع , بالضرورة , خطوات كبرى . المشكلة من يقوم بالخطوة الأولى . ظريف قال بالتزامن , أو بأي عملية تنسيقية أخرى , وبأن يضطلع الأورروبيون , بما أوتوا من ارث ديبلوماسي , بدور الوسيط .
بادىء بدء تبديد الضباب الذي احدثته السنوات الأربع المنصرمة . ما بعد الضباب , وكما يتوقع ريتشارد هاس , حقبة أخرى في الشرق الأوسط . هذا ما يثير القلق لدى الصقور في اسرائيل الذين ظنوا انهم على قاب قوسين أو أدنى من بلوغ وعد يهوه باسرائيل الكبرى , بالحمولةا الايديولوجية , وبالحمولة التكنولوجية , بعدما تغير المفهوم الكلاسيكي للأمبراطوريات .
هذا لا يمنعنا من طرح السؤال ـ اللغز الذي , في رأينا , يثير حتى حيرة آيات الله : لماذا معلومات الموساد حول البرنامج النووي , وقد أحيط بأكثر من ستار حديدي , أكثر دقة من معلومات وكالة الاستخبارات المركزية , وحتى من معلومات البنتاغون , بالامكانات التي تلامس الخيال .
بطبيعة الحال دون التخلي عن قناعتنا بأن اسرائيل التي طالما احترفت سياسات التضليل , تعرف أكثر مما نتصور عن خفايا المنطقة , وربما أبعد من المنطقة .
ثمة من يلاحظ أن الموساد الذي تمكن من الوصول الى أرشيف البرنامج الايراني , والتعرف على الشخصية الفذة لمحسن فخري زادة , ومن ثم اغتياله , بمنتهى الحرفية , وهو الذي كان يتنقل كما الشبح , لم يتمكن حتى من معرفة أي شيء , أي شيء قطعاً , عن الترسانة الصاروخية لـ”حزب الله” !
كلبنانيين أبتلينا بتلك الطبقة الرثة , كل ما نستطيع فعله هو الانتظار (في الثلاجة أم في المقبرة ؟) , كما لو أن محمد الماغوط قال فينا بالذات “ندخل الى القرن الحادي والعشرين كما تدخل ذبابة الى غرفة الملك” .
الفنان رفيق شرف قال “هم النحاسون , ونحن الأواني المطروقة” . ماذا عن القول الأميركي Dead man walking ؟ نحن الذين نمشي كما الموتى …
اللواء عباس ابراهيم , من فضلك … فاوض الله لكي نبقى أو لكي لا نبقى !!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى