قبل أن نبدأ فى الحديث عن أثر السوفسطائية أريد أن أًذكر أولاً بمقولة من كتاب ( هنري فورد ) ” أن معظم المصطلحات البنكية هي من صنع العقلية اليهودية ” واليوم ونحن في عهد العوّلمة نتعامل مع مصطلحات جمة تبدو جديدة وبديهية المعنى والمضمون ، والأمر ليس كذلك ، ولنأخذ المصطلح الذي يقول ” أن رأس المال الريعي أو الموردي لم يعد له قيمة في عصر العوّلمة وأصبحت القيمة ( لرأس المال المعرفي ) أو بإختصار ، المعرفة بدل الكنز أو العقار أو الأرض.
إن قانون العرض والطب هو الذي يحدد قيمة السلعة ، وعليه فإن رأس المال تحدد قيمته وأهميته حسب آلية السوق والمنافسة، هذا ما قاله أدم سميث، وهو فيلسوف أخلاقي وعالم اقتصاد اسكتلندي، ويُسمى بأب الإقتصاد الحديث.
إن هذه النظرة إلى القيمة ورأس المال كان التبرير اللازم والكافي لإغتصاب السلطة وإقامة النظم الشمولية المُميتة .
و التعريف العولمي لرأس المال بأنه ” معرفي ” مقولة لا تستند إلى محسوس أو معقول فرأس المال هو ذلك الكم الحسابي لقيمة السلع المتراكمة مقيمة إلى سلعة أو سلع أساسية أو إستراتيجية ضمن منظومة إجتماعية وقيمية ذات صلة بموازين القوى المحسوسة والمعقولة .
فالعولمة تعني لشعوب الدول الصناعية الغنية إنهاء أو تحجيم آليات دولة الرعاية الإجتماعية ، كإيقاف العمل بالمعاهدات الجمعية النقابية ، وجعل عقود العمل عقود إكراه فردية ، وفرض أداءً مُعيناً للعمل يستعبد الإنسان نفسه بنفسه ، ويستعبد العمال بعضهم بعضاً لمصلحة رأس المال ، هذا يعني بالضرورة ، تهميش المؤسسات الديموقراطية والنقابية وكل مؤسسات المجتمع المدني ، التي يتخذ المدافعون عن العولمة عدم وجودها في الأنظمة الشمولية سُبة وعورة في تلك الأنظمة ، فالعولمة تنادي بالفردية ، ولكن الفرد هو العبد والسيد بآن واحد ، مما يفجر أمرض وعاهات نفسية لا حصر لها.
أما إنسان العالم الثالث فهو ، بكل بساطة ، للزرع والصنع للأسياد الذين يفرضهم صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي ، كملوك أو رؤساء ، ومهمتهم الأولى جمع ” فضل القيمة ” وتحويلها إلى البنوك الدولية لتعيد توزيعها من جديد بشكل قروض وإستثمارات وفق آليات الهيمنة ، وعبر تقنية الشركات والبنوك العابرة للقارات ، فالعولمة ترفض مجتمع الدولة كما ترفض مجتمع المواطنة دون أن تلزم نفسها بتقديم البديل.
العولميون لا يقبلون بالديموقراطية المقررة وإنما فقط بديموقراطية التبرير ، فالقرار يُتخذ وفق آلية الهيمنة حيث توضع المؤسسات الديموقراطية أمام الأمر الواقع وعليها مهمة تبرير ذلك.
ولنعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء ، عندما كان الشعار المرفوع على إمتداد العالم ( الخصخصة ) ، طبعا لا زال الشعار مرفوعاً ولكن بصوت منخفض ، مؤسسات وشركات أو حصص في شركات وبنوك بل عقارات شاسعة واسعة كانت تباع للقطاع الخاص بأسعار تكاد تكون رمزية ، دون أن يكون للمؤسسات الديقراطية أو البرلمانات رأي مسموع أو مطاع ، من كان على رأس السلطة التنفيذية كان البائع والسمسار بآن واحد ، أما المشتري فحدث ولا حرج.
ألا يحق لنا أن نتسأل ! من هم أصحاب المصلحة في تلكم الهجمة البغيضة على المال العام ، وتهمش المؤسسات الديقراطية ، والدستورية ، والقضائية ، ومعها الطبقة السياسة في كل دول العالم تقريباً ؟.
لقد أخذت الخصخصة طريقها إلى أخص خصوصيات الدولة القومية وأعني الجيش والمؤسسات القمعية و “الأمنية” ، فبعد “تحرير” زائير ، هكذا كان أسم الكنغو قبل زحف ( كبيلا ) وأبنه إلى السلطة ، قامت شركات إستخراج الماس والذهب بإنشاء قواتها المسلحة الخاصة ومؤسساتها القمعية ، وهكذا نجد عدد من الجيوش وعدد من قوات الأمن في الدولة الواحدة ، وأيضاً خصخصة الجيش والأمن في العراق ، بعد إحتلاله من قبل قوى التحالف الأمريكي الصهيوني ، من المواضيع التي تنضج على نار هادئة في المخبر الصهيوني ، وعندما تتم الخصخصة وتتنوع أجهزة القمع ، لا مانع من رفع الراية الحمراء للحزب الشيوعي العراقي مكتوب عليها ” وطن حر وشعب سعيد “.
العولمة ، فكراً وفلسفة ، بدأ ت قبل عشر سنوات من إستخدام الكمبيوتر في المجالات المدنية ، وذلك بعد المحاضرة التي ألقاه الفليسوف الصهيوني ليو شتراس عام 1967 ، أمام قادة الصهاينة ، فقد أعلن شتراوس دخول الصهيونية مرحلة العالمية ، لأن الفكر القومي التقليدي والدولة القومية لم تعد تفيان بمتطابات الهيمنة للمرحلة القادمة ، لأن الظروف العالمية آنذك كانت لا توحي بإمكانيات الهيمة على العالم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أوحتى مع معسكر الناتو ، أما الإنفراد بالهيمنة من قبل الولايات المتحدة فهى ضرباً من المبالغة غير المقبولة لأن أمريكا مثقلة بالديون لأوربا ، حتى أن الجنرال ديغول كان يطالب بتعامل تجاري على أساس الذهب بدلاً من الدولار .
لقد إستطاعت الصهيونية أن تزحف إلى كل مراكز القرار الأمريكي ، وأهمها على الإطلاق القرار الفكري ، أي كيف يجب أن يُفكر ويتصرف رجل السياسة وجوارحه في السلطة التنفيذية ليكون أهلاً للمنصب الذي يشغله .
إن آليات الضبط والربط في وضع أو إزاحة الرجل المناسب في أو من المكان المناسب قد تُذكرنا بالطقوس والشعوذة المتبع عند أهل النحل والفرق ، وما قصة بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي عنا ببعيد .
إن مسائل العولمة ، فلسفة وفكراً وممارسة أصبحت من الأمور الوجودية التي يستحيل حلها دون تمحيص دقيق لتاريخها وفلسفتها ، فقد بدأت الممارسة الفعلية والدامية لسياسة العولمة في 11من سبتمبر عام 1973 عندما هاجمت المقاتلات الحربية للجيش التشليه قصر الرئاسة في العاصمة التشلية سنتايغو دي تشلي ( Santiago de Chile ) لتغتال الرئيس المنتخب سلفادور اليندي ( Salvador Allende ) ، بأمر مشترك من وكالة المخابرات الأمريكية والجنرال أغوستو بينوشيه ( Augusto Pinochet ) الذي كان يطلق عليه الغوريلا . فوراً وبعد نجاح الإنقلاب إنقض ال (شيكاغو بويز ) ليأخذوا مواقهم كمستشارين عند الحكومة ويتخذوا من تشيلي عينة مخبرية لتطبيق فلسفتهم ونظرياتهم الليبرالية المتطرفة فإنقلبت تشيلي إلى معسكرات للإعتقال ومعسكرات للسخرة ، وعندما نجحت العملية القسرية التشيلية قام البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي بتعميم وصفات النجاح القسري إلى كافة دول أمريكا اللاتينية ، حيث كانت التعليمات والأوامر تكاد تكون متطابقة ، سوأً في البرازيل أو البيرو أو الأرجنتين ، حتى ساح الناس في البلاد جياع شبه عراة.
ولا زال العرب يعتقدون أن القرارات والمقررات التي تتخذها الحكومة الأمريكية هي بفضل قوة اللوبى الصهيوني في المجلسين التشرعيين في أمريكا فقط ، فلا ينكر أحد قوة اللوبي الصهيوني ، ولكن الأمر أبعد وأخطر من وجود لوبي قوي ، إنها الهيمنة الكاملة على صناعة القرار ، القرارات الأمريكية لم تعد تُكتب بحروفها الأولى بأيدي صهيونية فحسب ، وإنما العقلية التي تحرك الأيدي هي بالكامل صهيونية والتباين بين الأجنحة التي تقود العقلية السياسية الأمريكية هو تباين بين المدارس الصهيونية المختلفة يسارية كانت أم يمينية .
فمنذ تمكن الصهاينة من القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقات الدولية تسير من سيء إلى أسوء وهي الآن تسير نحو الإرتطام والتصادم .
ومن الخطأ الإعتقاد أن الإضطراب الذي يعم العالم اليوم هو نتيجة غير مقصودة لسياسات خاطئة ، إن الإضطراب والحروب والفوضى وتفشي الفساد هي الأجواء التي تسعى الصهيونية ومعها كل النحل لغرسها بين الشعوب والأمم . إن كتاب هنتنتونغ عن صراع الحضارات هو من الزرع الخبيث لحصاد أخبث . ولكن إيماننا بالله يقودنا للقول : ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.