مقالات رأي

ميترنيخ العرب …

نبيه البرجي

حمل جبال لبنان على كتفيه ورحل . قال : لا مكان لي , ولكم , على هذه الأرض !
من سنوات , سألني وزير خارجية كويتي “لماذا لا تأتون بجان عبيد رئيساً للجهورية ؟” . لأنه لا يستطيع أن يكون شريكاً في صناعة الخنادق , وفي صناعة القبور , ولا في صناعة … الفضائح .
وقال “هو صديقي , ولقد سمعت عنه من أمير البلاد ما أدهشني . رجل الثقافة الخلاقة , والديناميكية الفذة , شخصياً , وجدت فيه ميترنيخ العرب , وتاليران العرب , ولن أقول كيسنجر العرب . وكنت أتمنى لو أتيح له أن يكون نجم مؤتمر مدريد (عام 1991 ) كما كان ميترنيخ وتاليران نجمي مؤتمر فيينا (1815) . أتصور أنه كان , على الأقل , هز عظام تيودور هرتزل , بطبيعة الحال أعصاب اسحق شامير الآتي من غرف الدم , ومن النصوص التي تتقيأ … الدم ” .
في زياراتي له , كنت أتساءل كيف لرأس بشري أن يختزن , وبدقة مذهلة , كل تلك الوقائع , وكل تلك النصوص . ربما , أكثر من كل ذلك الحنكة المتوهجة . قطعاً , لا أحد يمكن أن يكون بمزاياه , كما لو أنه خلق , وكان الصحافي اللامع , ليكون الديبلوماسي , أو السياسي , الذي لا يشق له غبار …
اللبناني الحقيقي الذي لا أثر لثقافة القناصل في شخصيته . قال لي “أي لبناني تعنيه طائفة فيروز أو طائفة جبران خليل جبران أو حتى طائفة … القمر ؟” .
المسيحي الحقيقي الذي آثر أن يعلّق على خشبة , على أن يعلّق على صفقة , أو على فضيحة . المرة تلو المرة , وعلى طبق ذهبي قدمت له رئاسة الجمهورية . هذا رجل ضد هز البطن وضد هز الرأس . ألا تعقلون …!!
المسلم الحقيقي الذي كان يردد أمام زائريه أقوال ابي ذر الغفاري , وأقوال محيي الدين بن عربي (دون أن يخفي افتتانه بفلسفة ابن رشد) , بلغة القلب , ودقات القلب , لا بلغة من يقتاتون من بقايا الايديولوجيا , ومن بقايا التاريخ .
العروبي الحقيقي الذي طالما أحس بالغصة “لأن الله أعطانا النبي , وأعطانا النفط , وأعطانا المكان (فضلاً عن عبقرية المكان ) , دون أن نتمكن من اقامة أمبراطورية عربية تكون شريكة في اعادة صياغة القرن” .
في الاستراتيجيا , هاله الدوران حول مضارب القبيلة , وبين مقصورات ألف ليلة وليلة . وكان يردد قصة هارون الرشيد مع شارلمان . لعل بطون النساء العربيات توقفت عن انتاج الرجال . بالرغم من ذلك . كان يستشعر صهيل الخيول وراء الباب . من أين كان يأتي بذلك التفاؤل ؟
أجل , لا أثر للنرجسية في لغته , ولا في أدائه . الذاكرة التي لا تنام , ولا تستريح . لكأنها دوماً على الجمر . ضحك طويلاً حين ذكّرني بما كتبته حول الديبلوماسية العربية الضائعة بين خاصرة فيفي عبده وقبقاب غوار الطوشي !
هل كان لرجل مثله ألاّ يتنبه لفضيحة مزارع شبعا . بدا غاضباً ومستغرباً حين رويت له حواري مع وزير خارجية لبناني , وقد قلت له انه عندما وزعت , في مجلس الأمن , خارطة انتشار القوات الدولية (الأندوف) عند خطوط فض الاشتباك بين سوريا واسرائيل , بدا واضحاً أن منطقة المزارع وضعت على الأرض السورية , كيف لم تلاحظوا ذلك ؟ كان رد الوزير (عفواً معالي الوزير ) أن الخارطة كانت من الصغر بحيث لم نتنبه لذلك . هذا دماغ السلحفاة أم دماغ رجل يفترض أن يكون نافذتنا على … العالم ؟
هذه عائلة تقرأ . لكأنها ترعرعت مع الكتب من أيام آدم . ظاهرة بكل معنى الكلمة . هذه عائلة يليق بها الرقي , وتليق بها الصداقة , وتليق بها الحياة . أيها السيد الموت , كيف دقيت على باب جان عبيد ؟ قل لنا كيف دقيت على بابه ؟ ألم ترتجف يداك ؟ ألم يقل لك الله اياك أن تقترب ؟
ألا يكفينا ضنك هذه الايام , وجور هذه الأيام , واكفهرار هذه الأيام , وتفاهة هذه الأيام . كان ثمة ضوء في مكان ما على أرضنا , وكان يلوّح لنا بضحكته , وبأحاديثه التي كانت ما تحتاجه لعبة العقل , وما تحتاجه لعبة القلب , ثم فجأة توارى وراء الضباب . بين ايدينا المتعبة , لم نعد نمتلك سوى الضباب . من زمان قال تيار دوشاردان “كل الطرقات الى الانسان أقفلناها بصلواتنا الميتة” .
الأنيق بالبدلة النيلية , وبربطة العنق الزاهية . على الأقل نضفي بعضاً من الزمن الجميل على أشيائنا . غريب أن تصل الكورونا الى جان عبيد الحريص , الى حدود المغالاة , حتى في التعامل مع الهواء الذي تخلى عنه في اللحظات القاتلة . في نهاية كل زيارة , ولو كانت في الربيع , كان يقدم لي كوباً من الماء خوفاً عليّ …
لكننا , أيها الصديق الرائع , كنا نخاف عليك . بعدك لم تعد الحياة السياسية في لبنان أكثر من جدران تتداعى , من أزمنة تتداعى , من قلوب تتداعى …
يا لمناديل غرناطة التي طالما كان حنينك اليها حين تسألك : لماذا تركتنا … على أرصفة البكاء ؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى