قراءة ابراهيم ياسين لصورة الشَّهِيد في شعر محمود درويش
الدكتورة فيفيان حنّا الشويري _ أستاذة الأثار واللغات القديمة في الجامعة اللبنانية
موجِعٌ؟()
لا! لم يعدْ موجِعاً الموتُ في فلسطين. كيف يوجِعُ والشهيد لا يموت؟ فأرضها أبداً مولّدة شهداء وحتى من دون أسماء:
كَانَ اسْمُهُ…
لا تَذْكُرُوا اسمُهْ!
خَلُّوهُ في قلوبِنَا…
لا تَدَعُوا الكَلِمَةْ
تَضِيعُ فِي الهَوَاءِ، كالرَّمَاد…
خَلُّوهُ جُرحَاً رَاعِفَاً… لا يَعْرِفُ الضِّمَادُ
طَرِيقَهُ إِليه…()
والشهيد لا يريد أكفاناً بل أعراس نصر:
لا تدفنونا بالنشيدِ، وخلِّدُونا بالصمودْ!( )
فهل ماتَ؟
“لم يَمُتِ”()
للشهيد دوران، وكلاهما فاعلان في حياته كما في موته، فقد دافع عن العرض والأرض ورواها بدمه ومات ولمّا يتوارى، إذ خلّد اسمه في سجلات الوطن المشرّفة وفي الوجدان والقلوب، لذا الشهداء هم أبداً أحياء وفي الوطن يرزقون. هنا يبرز دور البطل القومي الذي يلعبه الشهيد على مرّ الأزمان فهو يبقى قدوةً للأجيال وعلى صراطه تمشي وتهتدي، وقد أضحى رمزاً جليلاً ومثلاً أعلى لأمّته.
يُبرز الناقد الأدبي البروفسور ابراهيم ياسين، من خلال دقة قراءته، ما ضمّته ثنايا قصائد درويش في الشهيد، معلناً معه أن “الشَّهِيد حاضر بين أهله وأحبّته وأصدقائه وأمّته”، وهو “حضور قبل الرحيل وبعده، إنّه ضوء على الدرب يغيب لكنّنا لا نغيب معه، بل نوقد قنديلاً جديــداً للطريق”؛ وإنّ “الشَّهِيد حيّ وفق الخطاب الديني، فهذه الروح الجهادية/ روح التضحية والفداء/ روح التحدّي والمقاومة هي ما دعت إليه الأديان السماوية، لرفع الظلم والطغيان، والدّفاع عن الأوطان”. وأنه “بهذه الصورة النبيلة الثائرة المتمرّدة يفهم درويش الدين ويربط بينه وبين الثورة برباط نهائي وثيق، فالدين ثورة، ورفض للظلم، ودعوة للبطولة والنِّضال ضد أعداء الإنسان، إنّ الدين قوة تشعل الثورة والمقاومة ولا تدعو إلى التسليم والرضا بمرارة الواقع المظلم، وبه يكون بناء الأوطان، وتحقيق الأهداف”:
يَا أَصْدِقَاءَ الرَّاحِلِ البَعِيد
لا تَسْأَلُوا: مَتَى يَعُود
لا تَسْأَلُوا كَثِيرَاً
بَل اسْأَلُوا: مَتَى
يَسْتَيْقِظُ الرِّجَال!()
وللشاعر دور بنّاء في تحويل مجرى التاريخ، يقول د. ياسين “إيماناً منه بأنَّ الشعر يمكن أن يُغيّر العالَم أو على الأقل يستطيع أن يقضي على الاحتلال، لقد أدرك محمود درويش معنى الشَّهادة وقيمتها، ومنزلة الشُّهَداء ودورهم في الدفاع عن ثرى الوطن، وعن قيم الأمّة ومبادئها وكرامتها”. وينكب د. ياسين على شعر محمد درويش تقميشاً وسبراً وتعليقاً، قارئاً معنى الشهيد ومبيّناً مغزى الشهادة، “وإذا كانت غاية الشهادة خلاص الوطن فأبعادها وغايتها العظيمة تبقى منارة على العالمين”، ولن تزولَ ولن تضمحل:
سيكتُبُ النَّاسُ فوقَ القبرِ:” لم يَمُتِ”()
ويتناول د. ياسين بالبحث المستفيض رموز الشهادة وصورة الشَّهِيد كما استخدمهما درويش، “أجزاء من تلك الصورة كصورة الجَسد، والدَّم، والجُرح؛ لتكون رموزاً خصبة للحياة، والبعث، واستمرار المقاومة”، مستعرضاً على التوالي: معنى الشَّهادة وقيمتها في شعر درويش ” فالاستشهاد، كما يرى، عقيدة مطلقة، وإيمان راسخ في عقل الفلسطيني وقلبه، وهو أصل في وجوده، إذ ليس ثمّة حياة بغير بذل الدّماء، فإمّا النّصر وإمّا الشّهادة”.
ويستطرد ياسين في إبراز مواضع توظيف المعاني من خلال الصورة والتي تعكس أبعاداً ودلالات وقيّماً تضرب في عمق حضارة المشرق العربي كما تطالعنا به الأساطير الأولى التي تكشف عن تقاليد عريقة متوارثة ما زالت في تقاليدنا حتى اليوم. وهذه اللفتة من قبل الناقد تنمّ عن معرفة تاريخية وربط حضاري عنوانه وحدة البلاد واستمراريتها في الوجود على نفس الوتيرة الفكرية والنضالية التي نشأت عليها، بحيث يقول: “ويربط درويش بين الشَّهادة والأسطورة والمنطق الإسلامي الديني”. ويعقّب “أي إنّ الشَّهِيد حيّ”، فمنذ الحضارات الأولى ترسّخ هذا المعتقد بأن الشهيد لا يموت وأن مات فسيحيّا ويُبعث حياًّ. وتوكيداً، يستعرض ياسين، سلّة من الأساطير، التي وظّفها درويش في معرض نفيّه الموت عن الشهيد وتأكيده على مبدأ القيامة والبعث وحتى الخلود، وهذا من صميم الفكر المشرقي القديم، منذ الفينيق، ويُضيف إليه صوراً جديدة، أسطورة العربي الذي يخرج من ذاته الميّتة ليولد فينيقاً جديداً (يَنْشَقُّ فِي جُثَّتِي قَمَرٌ، وأَحْرِقُوهَا بِأَعْدَائِهَا)، مروراً برموز الخصب المرتبطة بالموت والقيامة، حتى السيد المسيح وانبعاثه حيّاً.
وما يخشاه البشر، منذ الأزل، هو الموتَ، فهل من الممكن أن يصبحَ مألوفاً؟ يخرج د. ياسين بنتيجة صارخة عند درويش “لقد تعوّد الفلسطينيون الموتَ، وصاروا يُمارسونه كطقس يوميّ متواصل؛ لذا راح الشاعر يُوصي حبيبته بأن تتعوّد موته، وأحزان بعاده، وألاّ تبكي عليه؛ لأنّ موته/ استشهاده ليس نهايته، بل هو الأصل في وجوده، وحياته، وانتصاره”:
مِنْ تَوَابِيتِ الضَّحَايَا، سَوْفَ يَعْلُو
عَلَمٌ يَقُول: قِفُوا! قِفُوا!()
لقد انقلبت المقاييس جذرياً في فلسطين الشهداءِ، حيث “الشَّهادةُ عرسٌ دمويّ لا ينتهي؛ والشُّهداء يحملون مقابرهم على أكفهم، هَذَا هُوَ العُرْسُ الذِي لا يَنْتَهِي. فهذه الدّماء المسفوكة في كلّ دقيقة “هي “مهر” العرس الذي يقدّمه الإنسان المقاوم فوق أرضه؛ ليكتمل فرحه، ويروي أرضه، ويبعث الحياة والخصوبة ثانية فيها”.
ويكمل الناقد الأكاديمي مستعرضاً صورة الشَّهِيد كما تصوّره الشاعر، فهو قد غدا “سنبلة/ بذرة تُغرس في رحم الأرض، إذ يهتمّ درويش بالرمز ويمنحه أبعاداً دلالية رحبة؛ فالشَّهِيد (الحبّة/ البذرة) تتوالد وتتكاثر فتُنبت”:
وَحُبُوبُ سُنْبُلَةٍ تَمُوت
سَتَمْلأُ الوَادِي سَنَابِلْ()
وتتوالى الصور الرمزية التي يلتقطها بحذاقة الناقد “فالشاعر يُوسّع دائرة الرمز في نصّه، وقد شبّه الشاعرُ الشُّهَداءَ بالنجوم، والكواكب، والأقمار، والشمس، وأعمدة الضياء، والصباح، وكلّها صور علوية مضيئة تُبرز علوّ منزلة الشُّهَداء، ورفعة مكانتهم وإشراقهم”.
ولا تستمر الأرض عطاء وخصباً إن لم تضمّ جسدَ الشهيد “والتفت درويش إلى جسد الشَّهِيد، فرسم ملامحه وهو مسجّى، وبيّن آثار القتل فيه، وتصوّره أرضاً، ومدينةً، ومخُيّماً، كَانَ المُخَيَّمُ جِسْمَ أَحْمَدْ وسوراً، وحدود نار. إنّ جسد الشَّهِيد قد توحّد بالأرض، فصار مثلها، يحمل الخير، ويُنبت الأشجار والثمار، وصار ساعدُه نهراً يتدفق بالحياة، وشارعاً يمرّ فيه طلابُ المجد والعزّ؛ ولذلك ارتبطت صفات الشَّهِيد عند درويش بالدّوال المنتمية لإله الخصب والزّراعة؛ فالشَّهِيد سنبلة، وبذرة، وقمح، وحنطة، وخبز، ورغيف، وغصن، وشجرة، وحقل، وبستان، وعشب تارة، وهو ماء، وغمام، ومطر، ونهر تارة أخرى. كما ارتبط فعل الشَّهادة بالحراثة، والزّراعة، والغرس، ورشّ البذار والسّماد، والسّقاية، والحصاد، وهي أفعال تنبض بالحياة والحركة الفاعلة. ومن هنا أكّد الشاعر أنّ الأرض، والفلاح، والإصرار أقانيم ثلاثة متّحدة، ومتلاحمة لا تقهر، وأنّ الأرض للشُّهَداء والشُّهَداء لها. “:
أَنَا الأَرْضُ …
يَا أَيُّهَا الذَّاهِبُونَ إِلى حَبَّةِ القَمْحِ فِي مَهْدِهَا()
وكأن الجسدَ المفدّى غدا الأرض البديلة لدى أهل الشهيد، فلتُحرثُ ومنها ينبتُ الأملُ الواعد بوفير الغلال:
احرُثُوا جَسَدِي!()
ويلمّع الناقد الألوان ويُبرز ألقها فتزهو وتزداد وهجاً، فقد “رسم الشاعر للشَّهِيد صورة بصريّة اختار لها اللون “الأخضر”، (إنَّكَ الأَخْضَرُ). الذي “يرمز إلى “الخير والخصب والنّماء والتجدّد والعطاء”؛ وتتوالى الألوان الوارفة والغضّة والنابضة حياةً “لعلّ صورة الدَّم من أبرز صور الشَّهِيد، التي ركّز عليها الشاعر، فالدَّم هو جسر العودة إلى الأرض والاتحاد معها”، و”الطريق إلى الطريق” كما يقول، أي طريق التحرير وإنَّ دماء الشُّهَداء سرعان ما تندغم/ تمتزج بالتُّراب، وتختلط بذراته اختلاطاً عجيباً؛ ويُخرج قمحها وكرمتها بالتوحّد مع الأرض “أنا الأرض والأرض أنتِ”، فالفتيات أصبحن يقطفن الحجارة بدل الزهور، ودماؤهنّ توحّدت مع التراب؛ فأصبح يمشي في الظهيرة”:
– أيْنَ حَفِيدَاتُكِ الذَّاهِبَاتُ إِلى حبِّهِنَّ الجَديد؟
– ذَهَبْنَ لِيَقْطِفْنَ بَعْضَ الحِجَارَة()
ويوسّع د. ياسين أمامنا فضاءات الشهادة والشهيد “الذي غدا عند درويش “طائر الفينيق / العنقاء، الذي كلّما أدركه الهرم يحرق نفسه، ينبعث من رماده فتياً قوياً، فدرويش يُشبّه الشَّهِيد بطائر الفينيق، إنّه يُضحّي بنفسه، ويستغني عن جسده من أجل أمّته ووطنه؛ لتكتمل مسيرة البناء، فهو رمز التجّدد والانبعاث:
سَأَصِيرُ يَوْمَاً طَائِرَاً…
اقْتَرَبْتُ مِنَ الحَقِيقَةِ…
وانْبَعَثْتُ مِنَ الرَّمَادِ()
فهل الشهادة خيار؟ نعم!:
آه! كَمْ كُنْتُ مُصِيبَاً
عِنْدَمَا كَرَّسْتُ قَلْبِي
لِنِدَاءِ العَاصِفَةْ()
لا يقلّ دورُ الناقد أهمية ونضالاً عن دور الشاعر، فهو بحسّه المرهف في التقاط المعاني يعيد للقصيدة ألقها، فتشع معانيها ألواناً. وهذه الإحاطة البارعة لدى إبراهيم ياسين بموضوع الشهيد في شعر محمد درويش، تؤكد على دور الناقد المحلّل الذي يسبر أبعاداً ربما غفل عنها المتلقي العادي، لما يبرزه من دلالات المعاني ويربطها بقيّم عليا ابتكرها الفكر المشرقي الجليل، وأضحت ملاصقة لأحوال أبنائه أبداً، ولا يخرج الفلسطينيون عن هذا الحال وقد أصبحوا بشهاداتهم وشهدائهم ومواكب أعراسهم اليومية الناطقين الأحياء الأول باسم العزّة والكرامة العربية.
والدكتور ياسين يواكب شاعر فلسطين متماهيّاً ومنصهراً بكليته، فهو أيضاً أديب وصاحب قلم نضالي وقد آمن بالحرف، وكيف لا و”في البدء كان الحرف”:
آمنتُ بالحرفِ … إمّا ميتاً عَدَما
أو ناصِباً لِعَدُوِّي حَبْلَ مشنقةِ ()