ماذا قال الرئيس ايمانويل ماكرون للرئيس سعد الحريري لكي يعود من باريس بحليب السباع , ويعلن من قصر بعبدا بالذات “أنا الآمر الناهي , وما على رئيس الجمهورية الا أن يوقع على التشكيلة التي أودعته اياها أو أن يبقى من دون حكومة حتى نهاية العهد ؟ ضمناً الى أن يستقيل !
الكل بات يعلم أن برنار ايميه , رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية والسفير السابق في لبنان , هو من اختار غالبية الوزراء المسيحيين , اضافة الى بعض الوزراء من الطوائف الأخرى . لا مشكلة اذا ما حلّ الرئيس الفرنسي , في صلاحياته , محل الرئيس اللبناني ما دامت فرنسا “الابنة الكبرى للكنيسة” , حتى أن ملوك فرنسا كانوا يوصفون بملوك المسيحيين Rex Christianissismus …
الاليزيه لم يعد بالارتباك , ولا بالوهن , الذي كان عليه حين كان دونالد ترامب في البيت الأبيض . هذا يعني أن الرئيس المكلف عاد بتغطية فرنسية تحظى بدعم أميركي , بعدما كان ماكرون قد بعث بأكثر من اشارة يستشف منها أن التيار الوطني الحر وحلفاءه التفوا عىلى الاتفاق ـ الاطارالذي تمت بلورته في قصر الصنوبر .
المشهد يمكن أن يختزل بهذا العنوان “عون رهين الحريري” , دون أن ندري لماذا ربطت بعض التعليقات الفرنسية بين الموقف المتشدد لماكرون وانزعاجه , كما انغيلا ميركل وبوريس جونسون , من آيات الله .
في نظر الثلاثة أن هؤلاء يرتكبون خطأ استراتيجياً , وليس مجرد خطأ تكتيكي , حين لا يقرأون بدقة ما يعنيه جو بايدن بوقف مبيعات الأسلحة التي تستخدم في اليمن , وبالغاء القرار الخاص بتصنيف الحوثيين جماعة ارهابية , كما التعامل بلامبالاة مع قول المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي “من الواضح أن هناك مراجعة لسياستنا حيال المملكة , ولا علم لدي بخطط للاتصال بها” !
وفي التعليقات , ان الايرانيين , وخلافاً لما كان منتظراً , عمدوا الى التصعيد ان ضد السعودية , أو في الداخل اليمني حيث يندفع الحوثيون نحو مأرب ليكونوا الطرف الأقوى في أي محادثات تتتعلق بالبحث عن صيغة للحل هناك . هذا بالاضافة الى تكثيف الضغط بالورقة النووية , ودون أي اعتبار للقوى التي تتربص لهم داخل الاستبلشمانت والتي تعارض أي عودة الى اتفاق فيينا الا بعد خلع أسنان النظام الراديكالي في ايران .
حتى ولو كنا على يقين بأن لبنان ليس أكثر من ساحة للصراعات الشائكة , والمعقدة , وربما للصراعات المستحيلة , في الشرق الأوسط , لا بد من أن نسأل الى متى يبقى الوضع الحكومي , بل الوضع اللبناني , ضحية النزاع حول الصلاحيات بين قصر بعبدا وبيت الوسط .
قد يكون علينا أن نسأل الرئيس حسين الحسيني , بكل احترامنا وصداقتنا له , ما اذا كان الذين صاغوا الدستور خبراء في الشعوذة أم خبراء في التشريع .
كما لو أن النصوص حيكت بخيوط العنكبوت , وعلى ذلك النحو الملتبس الذي أنتج الأزمات تلو الأزمات , وقد أصبحت جزءاً من يومياتنا , لنبقى هكذا , في اجترارنا العبثي لهذه الأزمات , على صفيح ساخن .
لا دولة في العالم تركت مدة التكليف دون ضوابط , ومشرعة , ربما الى الأبد , على كل الاحتمالات , بما في ذلك أن يتمكن رجل واحد من أن يأخذ الدولة رهينة بين يديه , خصوصاً في نظام بني على تناقضات سياسية , وتاريخية , وطائفية , قد تجعل من الانفجار الوسيلة الوحيدة للعود الى صفقة ما أو الى تسوية ما .
لا نص يضع حداً لهذا الدوران السيزيفي في الحلقة المفرغة , وهي هنا الحلقة الجهنمية . ثمة خبراء يعتبرون هذه “الظاهرة الغريبة” ذروة الهرطقة السياسية , وذروة الهرطقة الدستورية , وان كان البعض يرى أن المشكلة الأساس هي في الالتباس الذي يحيط بصلاحيات رئيس الجمهورية , أهو الباشكاتب أم هو مرجع السلطات ؟
في نهاية المطاف , لسنا سوى بضاعة بشرية في سوق الأمم . فيليب حتي وصف لبنان بالرصيف الذي استضاف كل اشكال الغزاة , وهلّل لكل أشكال الغزاة . لا شيء تغير , ولا مجال الا انتظار الحل الذي يأتي به الغزاة …
هل يعرف أي منا جنس الغزاة ؟!