مقابلات

بانتظار صفقة منتصف الليل

نبيه البرجي

آن الأوان لكي نعتذر من تلك الطبقة الرثة , التي دون الحد الأدنى من الشفافية , ومن الفاعلية , ومن الصدقية , ومن النزاهة , ومن الرؤية , بعدما أثبتنا , كركام بشري , أننا أحفاد ياجوج وماجوج . قبائل همجية تنقض , بسنانها وأسنانها , على الآخر الذي قال تيار دو شاردان أنه من يعطي المعنى لوجودنا …

نحن الذين نتحدث بآخر منتجات فيرساتشي , وفيتون , وشانيل , وايف سان لوران , ونتقيأ , على الشاشات , نظرياتنا السياسية , والاستراتيجية , برتابة بديع الزمان الهمذاني , لا نستحق , لادارة رؤوسنا , افضل من تلك الطبقة التي لا تليق حتى بالقردة …

دعونا نذكّر بعض فنانينا الذين دفعهم الجشع الى الغناء في الملاهي , أو في الفنادق , أو في الكازينوات , ليلة الميلاد وليلة رأس السنة , بقول ايللا فيتزجيرالد “أغني فقط لأضيف الحياة الى الحياة” . أولئك الفنانون الذين تفترض فيهم الرهافة , كانوا يزدادون هياجاً , ويزداد “زبائنهم” هياجاً , لا كمامات , ولا تباعد . الضحكات والآهات كانت تلعلع في المكان , لا اكثراث بالجثث التي تتكدس في الأروقة وحتى على الطرقات .

لو كانت هناك سلطة لكان هؤلاء وراء القضبان بتهمة القتل مقابل حفنة من المال . (فنانون أم … مرتزقة ؟) . أليس هذا ما تظهره , يومياً , الأرقام المروعة للكورونا ؟

عالم السياسة البريطاني هارولد لاسكي تحدث عن دور السلطة في صياغة السياسات العامة , والأخلاقيات العامة , والى حد القول انها تعيد انتاج الكائن البشري ليكون على تفاعل ديناميكي مع مفهوم المؤسسة , ومع مفهوم الجماعة . ولكن , ألم نفاخر , دوماً , بكوننا أرقى ثقافة , وأرقى رؤيوية , من ملوك الطوائف الذين أكثرهم من بقايا السلطنة العثمانية , الطرابيش العثمانية , هذه , على كل حال , حالنا كرعايا . قطعان (أو طوابير) من الماعز أمام صناديق الاقتراع !

أمام الكورونا , واحتمالاتها الأبوكاليبتية , وأمام مواقف المسؤولين في قضية اللقاحات والتي تدعو الى الغثيان , كلنا مسؤولون عن صناعة الكارثة . بأظافرنا حفرنا قبورنا , وقبور أهلنا , دون الحاجة الى حفاري القبور الذين على أكتافنا .

الرياح الصفراء التي تهب علينا من أقاصي الجحيم تهز عظامنا (كما لو أن كل فرد منا ينتظر دوره عند حائط المقبرة ) . بالرغم من ذلك , علينا أن نصدق أن الصراع بين أصحاب المقامات العليا يقتصر على صراع الحقائب , وصراع المعايير . لسنا حمقى لنقول مع القائلين ان فيديو القصر أحدث جرحاً لا يندمل , كما لو أننا لا ندري , وكما لو أن عيوننا , وآذاننا , مقفلة ولا يتناهى الينا ما تنطق به الجدران من فظاعات …

كلنا ندار من قبل الأشباح . المشكلة الآن أن الأشباح الأميركية تريد الاستئثار بكامل المشهد . هي التي دفعت بنا الى الأزمة الكبرى , وهي التي حالت بيننا وبين البحث عن ضوء في النفق , وان كنا لا نغفل دور أولياء أمرنا في الوصول بنا , حفاة وعراة , الى الكماشة الأميركية .

نحن في حضرة ادارة أميركية تافهة , وغبية , وأكثر من أن تكون “طنجرة فارغة” . مايك بومبيو الذي كل ما بقي من دونالد ترامب , نشر , في تغريدة له , صورة لجبران باسيل وتحتها كلمة “معاقب” .

أياً تكن نظرتنا الى رئيس التيار الوطني الحر , ما صدر عن وزير الخارجية الأميركية , في الساعات الأخيرة من وجوده في المنصب , انما هو رصيد ذهبي , واستراتيجي , لباسيل . “أنا جبران باسيل عاقبتني الأمبراطورية لأنني رفضت تقديم لبنان على طبق من الفضة لا لبنيامين نتنياهو , ولا لأي بلاط يريد احداث تغيير بنيوي في الصيغة اللبنانية , واقامة فديرالية لبنانية ـ سورية ـ فلسطينية فوق أراضينا” .

تعقيباً على “الليالي الأخيرة من وجود كاليغولا في البيت الأبيض” , قالت أوبرا ونفري “هذه الحثالة التي تحكمنا . انها تتحدر من ذلك الاله الأبيض الذي كان , على قرع الطبول , يدوس جثث الهنود الحمر بقدميه كي لا يعودوا الى الحياة أبداً , وها هم الان ينبعثون من تحت التراب” !

“أمبراطورية الكعب العالي” . هكذا قال المعلق فريد زكريا , وهو يتحدث عن “مملكة ايفانكا” التي دخلت الى “ملكوت يهوه” منذ أن اقترنت بجاريد كوشنر , واعتنقت , بهوس هيستيري , اليهودية .

هكذا وضع لبنان تحت المجهر , ان لم يكن على أبواب جهنم . ليتكم تعلمون من هم العباقرة (القهرمانات) الذين يعملون لحساب مايك بومبيو في بلادنا …

لا أحد يخدعنا . في هذه الجمهورية , لا مجال لصناعة السياسات , أو لصناعة الاستراتيجيات , ما دمنا ندار بالريموت كونترول . هنا صراع الأنانيات , والمصالح , الذي ينتهي ,عادة , بصفقات منتصف الليل .

لننتظر , اذا بقينا على قيد الحياة , خروج دونالد ترامب من البيت الابيض . تالياً , صفقة منتصف الليل !!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى