عام 1990 , أجريت حواراً مع عالم الجغرافيا المصري الفذ جمال حمدان , على وقع لهاث بابور الكاز الذي وضع فوقه ابريق الشاي .
قال لي صاحب نظرية “عبقرية المكان” (على أن الجغرافيا هي التي تتقيأ التاريخ) أن السلطة في البلدان العربية التي طالما ادّعت التبعية لله , ما لبثت أن لاحظت أن أميركا أكثر تأثيراً , وأكثر فاعلية , على الأرض . هكذا انتقلت التبعية من الله الى أميركا !
جمال حمدان الذي عاش زاهداً , ومتمرداً , رافضاً جائزة الدولة التقديرية (1986 ) , رأى كيف تخلصت الولايات المتحدة كـ”أمبراطورية آيلة الى الغروب على طريق , وطريقة , الأمبراطورية الرومانية” , من جمال عبد الناصر بأن تقتله بخناجر العرب قبل أن تقتله بأيدي الاسرائيليين .
لو بقي العالم المصري على قيد الحياة للاحظ ما هو مصير أي دولة عربية تحاول أن تشق عصا الطاعة . الخراب العسكري , والخراب السياسي , والخراب الاقتصادي , والخراب السوسيولوجي . حتى العراق , بامكاناته الهائلة , وكان على بعد قوسين من القنبلة النووية , وفيه ظهر الثور (البابلي) المجنح , يبدو وكأنه على ظهر ثور مجنح ..
توقف عند تلك الظاهرة التي لم يجد فيها أي غرابة (أو غرائبية) . أميركا حالت دون أي دولة عربية , بالرغم من الموارد الطبيعية اللامتناهية , وعشرات آلاف خريجي الجامعات العالمية , والدخول في الزمن التكنولوجي . هكذا استبقيت مجتمعات بكاملها في دوامة الايديولوجيات , والثقافات , القبلية والطائفية .
هذه المقدمة الطويلة , ودون التشكيك في نوايا أحد , لنسأل : هل الدعوة التي يضج بها المشهد السياسي , والاعلامي , هي لتدويل لبنان أم لأمركة لبنان ؟
ربما يستذكر البعض أن الاتحاد السوفياتي دعا , أكثر من مرة , الى مؤتمر دولي للبحث في وضع حد للصراع في الشرق الأوسط بعدما كان يفغيني بريماكوف قد قال “يبدو أن الأميركيين قد برمجوا هذا الصراع ليبقى الى الأبد” . لعل هذا ما جعل هنري كيسنجر , وهو اليهودي , يصف الصراع اياه بأنه بين نصف الله والنصف الآخر …
الادارات المتعاقبة رفضت حتى الالتفات الى تلك الدعوة . المنطقة محظية أميركية حتى لا يبقى فيها برميل نفط واحد وحتى لا يبقى حذاء في قدمي أي عربي .
السؤال الآخر , أيضاً دون أي تشكيك في النوايا : ماذا تعني الدعوة الى مؤتمر دولي حول لبنان ؟ العنوان ضبابي وفضفاض , ولا يعني شيئاً سوى اضافة الضوضاء الى الضوضاء , ما دام دون أي محتوى . العنوان يبقى فقاعة . لكن مجرد وضعه في الضوء حمل الكثيرين على البحث عن الخلفيات التي لا شك أنها تحظى بدعم الفاتيكان .
تدويل وضع المسيحيين في لبنان لأن الأكثرية الاسلامية (السنية ـ الشيعية) تدفع بالمسيحيين أكثر فأكثر نحو الموت السياسي , كما لو أن اضمحلال المسيحيين في لبنان لا يعني اضمحلال الدولة واضمحلال المجتمع في آن …
ألسنا في ذروة الصراع السني ـ الشيعي الذي أعادت المطابخ الأميركية تصنيعه في عهد ديك تشيني , وبول ولووفيتز , وريتشارد بيرل ؟
السؤال الآخر الآخر : من هي الدول التي ستشارك في المؤتمر , في ذروة الفوضى الاستراتيجية , وحتى الفوضى الايديولوجية , في المنطقة ؟ وماذا يمكن للمؤتمر أن يفعل سوى بلقنة الطوائف ؟ وهل يدري أهل المشروع أننا جميعاً في هذه المنطقة , ضحايا قعقعة المصالح ؟
أين هم المسيحيون , الذين من أجلهم صنع لبنان , في الوجدان الأميركي , وفي الوجدان الروسي , وفي الوجدان الصيني , وفي الوجدان العربي , وبطبيعة الحال أين هم في الوجدان الاسرائيلي …؟
مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة . من يضمن أن اسرائيل بالحضور الأخطبوطي في البنية السياسية الغربية يمكن أن تكون معنية بمستقبل النموذج اللبناني , وهي التي لم تنفذ , ومنذ تأسيسها بنداً واحداً من قرارات مجلس الأمن سواء تعلقت بالموضوع الفلسطيني أم بأي موضوع عربي أخر .
متى حمت أميركا مسيحيي سوريا , ومسيحيي العراق , ومسيحيي فلسطين , لتحمي مسيحيي لبنان ؟!