مقالات رأيمنوعات

مفهوم الجمال في العالم الافتراضي… مفاعيلُه وأثرُه؟؟؟

الدكتورة فيفيان حنّا الشويري_أستاذة الآثار واللغات القديمة في الجامعة اللبنانية

صباحيات معطّرة بعبق القهوة تزهو بأريج الورود والزهور، زهريات ذات رونق بهيج، توليفات ملوّنة بشتى ضروب التزيّينات، معروضة على مناضد ملوكية، وأطباق الحلويات موضّبة بأحلى حلّة تشتهيها العين قبل الذوق؛ تتبعها مسائيات لا تقلّ عنها تنميقاً وترتيباَ وسحراً من حيث انتقاء أجمل التجميليات والجمل…حتى حسبنا الجنّة على الأرض، من وقع روعة اللوحات على مدّ النظر، فهل هو عصر الجمال يدعى؟ وهل التجميل أتى أوكله، فسيطر على الوجدان والعقل فسلبت الصورُ البصر والبصيرة معاً؟

أجمل الصور تُختار من الطبيعة، والمناظر لا حدود لها مرفقة أو مطعّمة بأجمل العبارات والأمنيات والحِكم والمأثر والتهاني والأغاني وأشجى الموسيقى… للتعبير عن قرابة، صداقة، عشق، هيام، حبّ، ودّ، شوق، سلام… ويا سلام سلّم، سلامات…!  ويا مرسال المراسيل، وقد غدا المحمول من الذكاء ما كان زماناً للحمام الزاجل المحمّل بالأشواق والعتاب واللواعج…

أما النكت!  وما أدراك ما النكة، وما أفرِد لها من مساحات حتى غدا الكون ضاحكاً، وكلّ ما في الكون ضحك، والضحك جماله ما بعده جمال.

ونتسأل: هل الافتراضي يغني عن ملامسة الواقع المباشر مع ما يحيط به؟ أنا شخصياً مع تأطير الجمال طالما لم يسع المؤتمنون على تنظيم مدننا ومحيطنا الى تجميلها أو الاعتناء بما جُمّل فيها يوماً؛ فلم يحافظوا عليه قبل أن  يعنوا بتجميله، بمعنى أنه إذا رغبتُ بنقل صورة عن مدينتي أو محلتي أو أي مكان، فمن المستحسن نقل أجمل ما يحتويه  وعزله عن الجوانب البشعة؛ هذا مبدأ التسويق السياحي، فلم لا يكون منهجاً لتهذيب الحسّ والذوق لدى المتلقيين،  وقد غدوا بالفعل يتبارون في انتقاء أجمل الصور والمشاهد والعبارات ويتسابقون لسلب العقول والقلوب ووضع ما اختاروا بأجمل القوالب الفاتنة؛  وما خياراتهم ومشاركاتهم الا انعكاس لحسّهم المرهف في تقييم الجمال؛ وربما  نمّقوا قلّمهم وإبداعهم الأدبي الشخصي، تماهيّاً مع ما يستدعيه الجمالُ من جمال والألقُ من ألق أكبر.

ويبقى السؤال: طالما هذا الدفق الغزير من معالم الجمال أضحى ملازماً لحياتنا الآنية لحظة بلحظة فلا تفتح جهازك الا وتطالعك آيات البهجة مجسّدة، أوليس هذه “الموضة” بكفيلة أن تهذّب الذوق والعقل وتحفّز على الابتكار والمحافظة على كلّ ما هو جميل؟  أليست أجهزتنا الذكية مؤسّسة تربوية وتعليمية وتأهيليّة في عالم الجمال قائمة بذاتها وبمتناول الجميع، بحيث بات الفكر والفلسفة مواد شعبية وأُخرجا من بين دفّات الكتب المنمّقة والمشبّعة تعقيداً؟

فطوبى لمحبّي الجمال!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى