مقالات رأي

الجغرافية و الحقيقة الجغرافية: محاضرة للدكتور علي فاعور

أُلقيت في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية بتاريخ 14-5-2015.

الجغرافية و الحقيقة الجغرافية

“الكذبة البطولية هي جبنٌ، لا يوجد سوى بطولية واحدة في هذا العالم، وهي: رؤية العالم على حقيقته وحبهُ “.
رومان رولان 1914.

الجغرافية أُم العلوم لأن مجالها وجه الأرض، فهي تكوّنت مع الإنسان منذ وجوده في العالم قبل 100 ألف عام مضت، حيث بدأت الهجرات الأولى في التاريخ، من أفريقيا إلى أوروبا وآسيا، ثم أميركا وأوستراليا، وعلى إمتداد البحار والمحيطات. الجغرافية هي أعمال الإنسان حيث وُجد في الأرض أو الفضاء، رافقته إلى أعالي الجبال والأنهار، وأعماق المحيطات وأواسط الغابات حيث توجد الأراضي البكر… ودائماً منذ العصر القديم حتى اليوم تتبعت الجغرافية الطرق التي سلكها الإنسان في العالم، بالصور والكلمات والخرائط، بالوصف والتفسير والتعميم، من الأرض الى الفضاء، من القرية الصغيرة إلى المدينة الكبيرة والمجمعة العمرانية الضخمة، حيث لكل مرحلة جغرافيتها وصورها، ولكل منطقة معالمها وخرائطها وحقائقها الجغرافية…

……حيث، ..”ما يهم، ما يدوم، هو الطريق، أكثر من الذين يمشون”…
أولاً – الحقيقة الجغرافية
كل العلوم تبحث عن الحقيقة، بينما الحقيقة محور الجغرافية منذ نشأتها، فالجغرافية وحدها تعكس الحقيقة من خلال وصف “الإنسان والأرض”، ودراسة “وجه الأرض” حيث تتوزع المجتمعات وتتفاعل الظواهر الطبيعية والبشرية فيها، وهي في معناها الواسع، الدراسة المكانية للمجتمع، ولمزيد من التوضيح، هي دراسة المجتمع من خلال المكان…
لهذا تعتبر الكتابات الجغرافية أفضل الكتابات لأنها في مضمونها تعبر عن الواقع، وتجسّد الحقائق كما هي في المكان والزمان…فالجبال والأنهار والبحار مثلاً، لا تغيّر مواقعها ولا تبدل أشكالها إلاّ عبر ملايين السنين … هناك جغرافية، وجغرافيّة، هذه الكلمة تعبّر في نفس الوقت عن الحقائق المسماة جغرافيّة (مثل السلسلة الجبلية، النهر الكبير، الأرخبيل الموجود منذ ملايين السنين ، وهذه المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية، وهذه المدينة الموجودة منذ آلاف السنين أو عدة قرون..)، وعن توزيع المواقع والأماكن بطريقة كارتوغرافية دقيقة تمثل هذه الحقائق..
والحقيقة كما هي، موجودة في المكان، كجبال هيملايا أو حتى كنهر النيل، وهي كالمدينة تولد وتنمو وتتكوّن في المجال الجغرافي، حيث تلتقي وتتفاعل مختلف العوامل المؤثرة في وجود الحياة على الأرض.. وبما أن الأرض هي كوكب الحياة ومتفرّدة في هذا الكون، فقد تقدم علم الجغرافية ليكون رائداً في البحث عن الحقيقة، من بداية الوصف الى التفسير والتحليل، ثم الإستنتاج والتعميم، وصولاً الى دراسة ترتيب الأراضي وتنظيم الأماكن الجغرافية في الحاضر والمستقبل..
الجغرافية مرتبطة بالإنسان، بل هي حقيقة حياة الإنسان في المحيط الجغرافي، وكتابات الإنسان في الطبيعة، وهي أيضاً ذاكرة الطبيعة والمجتمع، وفي كل الأزمنة، وبدون الإنسان لا توجد جغرافية في المكان، ولا تتكوّن حقيقة جغرافية في الأرض.
سبق علم الجغرافية غيره من العلوم لإرتباطه بالإنسان والأرض، فمنذ وجد الإنسان وبدأ يتعامل مع الطبيعة، بدأ يتكوّن المجال الجغرافي ..ومع تزايد عدد السكان، وتطوّر وسائل إستخدام الأرض، وتنوّع النشاط البشري، أخذ يتسع المجال الجغرافي، وبدأت تتغير معالم سطح الأرض من حرفة الرعي والزراعة الى الصناعة والتجارة وتطوّر وسائل النقل والمواصلات على إختلافها، وغيرها من النشاطات التي أخذت أشكالاً متنوّعة مع نشوء القرى والمدن، ثم توسع ظاهرة التحضّر ونشوء التجمعات المدينية الضخمة، التي باتت تضم اليوم عدة ملايين من السكان..
لقد تغيّر “وجه الأرض” وتبدلت معالمه، ومعها تغيّر علم الجغرافية، من وصف “سطح الأرض” وما عليها (الجغرافية الطبيعية)، الى دراسة وسائل إستخدام الأرض والنشاطات الإقتصادية على إختلافها (الجغرافية الإقتصادية)، ثم تطور العمران البشري وتزايد عدد السكان والهجرات السكانية(جغرافية السكان)..

ثانياُ – الحقيقة بين الجغرافي والجغرافية
تفصل بين الجغرافي والجغرافية مسافة كبيرة بحسب الأماكن والمواقع، وأنظمة الحكم والعلاقات الثقافية السائدة، فالعبور الى علم الجغرافية يحتاج الى إعتماد الحقيقة والجرأة في كتابة الحقيقة، بل إن نجاح البحث الجغرافي يكمن في تجسيد الحقائق الجغرافية والتعبير عنها بلغة الواقع ، وهي على صورة الأماكن والمناطق وصورة الأرض والإنسان في محيطه…
رأى البعض في الجغرافية فلسفة التاريخ..حيث جرت مناقشة منهجية مطوّلة حول حرية الانسان في العمل والتأثير، أم خضوعه للطبيعة في رصد الظواهر المجالية وربطها بالوسط الطبيعي، وذلك في مواجهة الحتمية الجغرافية.. حيث يرى راتزل أن “الطبيعة تحدد السلوك البشري وتفسّر أهم الحقائق الجغرافية (الحتمية الجغرافية)، وفي المقابل يرى ريتر أن “الإنسان يختار ما يناسبه من الإمكانيات الطبيعية (الإمكانية)، ويذهب فيدال دي لابلاش أبعد من ذلك في نظرته حيث يرى أن “المركز الأساسي للعوامل المفسّرة يوجد في الماضي (التاريخ)، لكن الجغرافي بيير جورج يرى أن “العامل الإقتصادي هو الأساس في التفسير..”
ويرجع هذا الإختلاف في المنهج والتفسير الى إختلاف المفاهيم وتعدد حقول المعرفة، حيث ينظر الجميع إلى الظاهرة الواحدة كما هي، لكن بعيون مختلفة، وأقلام مختلفة، كما يتم التعبير عن المعرفة الجغرافية بوسائل متنوّعة يخضع كل واحد منها لمقاييس وضوابط متميزة (تاريخية، إقتصادية، إجتماعية، سياسية أو ثقافية أو دينية..) تسهم في تحديد العناصر المكوّنة للظاهرة الواحدة التي تؤثر وتتأثر بشبكة واسعة من الظواهر المجالية الأخرى، حيث يبرز تأثير الإنسان على الطبيعة، أم بالمقابل تأثير الطبيعة على الإنسان، أو حتى على الطبيعة في مجالات عدة، أو حتى تأثير الإنسان على غيره في المجتمعات البشرية..
بالتأكيد، ليست هناك جغرافية، دون الأخذ بالإعتبار، على الأقل، للحقائق “الطبيعية”، لأن كل مجال في الأرض هو أصلاً قطعة من سطح الكوكب، ولكن منذ قرون مضت، تغيرت الإهتمامات الأساسية للجغرافية فأصبحت أكثر عمقاً واتساعاً، لتتناول كافة النماذج في الظواهر البشرية، وبخاصة التي تهتم بالسياسة وتكوين الأنظمة والجيوبوليتيك… ثم المدينة ومهما كان حجمها أو موقعها، اليست هي في النهاية تعبيراً جغرافياً؟….
ثالثاُ – تطوّر علم الجغرافية؟
تطور علم الجغرافية من الاتجاه التقليدي في الملاحظة والوصف وتحديد المواقع الى الاتجاه الحديث في وضع النظريات، الى الاتجاه المعاصر في البحث العلمي حيث نشأت تيارات مختلفة المفاهيم والتوجهات، من التركيز على الحتمية الطبيعية المطلقة وتأثير دور العامل الطبيعي، بحيث أن كل مخلوق حي هو نتاج البيئة التي يعيش فيها، وقد برز هذا التوجه لدى المدرسة الألمانية (كما رأينا سابقاً)، حيث أن ” البيئة تحدد حياة الكائنات الحية بما فيها الإنسان”، الى إتجاه آخر لدى الجغرافيين في المدرسة الفرنسية يرى أنه لا توجد محددات جغرافية، بل إمكانيات يختار منها الانسان ما يريده..
الجغرافية منذ إنطلاقها في العصر القديم، هي عملية “وصف سطح الأرض” ، لكن ما هي الأرض؟ هل هي البيئة الطبيعية وحدها، أم إستخدام الإنسان للأرض؟ لقد تطوّر علم الجغرافية بمرور الزمن، حيث برزت توجهات حديثة أدت إلى تغيير منهجية البحث الجغرافي، ورغم اختلاف المناهج والتوجهات الفلسفية والايديولوجية، ثم تعدد المدارس الجغرافية، فإن المنهج الجغرافي يرتكز في الإطار العام، الى ثلاث عمليات أساسية مترابطة، هي: الوصف ثم التفسير والتنظير، ثم التعميم..

1- مرحلة الوصف الجغرافي
لقد هيمن الوصف على المنهج الجغرافي في القديم، حيث كان يتم التركيز على اشكال التضاريس والمناخ ونشوء المجتمعات البشرية، ثم تطور أنظمة الحكم وإختلاف عادات الشعوب، مما ساعد على إدخال مفاهيم جديدة حول الشكل والأبعاد والتطور لمختلف الظواهر الجغرافية، كا ساعد الوصف في تقديم كافة العناصر الضرورية لتفسير الظواهر الجغرافية، وقد أسهمت هذه المرحلة في رصد وتحليل كافة المعالم الطبيعية من حيث مورفولوجيتها ومكانها وحركيتها، ثم محاولة ترتيبها في مجموعات متشابهة..
2- مرحلة تفسير الظواهر الجغرافية
ومنذ منتصف القرن العشرين حدثت نقلة نوعية في عملية البحث الجغرافي، حيث بدأ تجاوز المرحلة الوصفية التي شكلت نقطة إنطلاق ووفرت القاعدة الأساسية للدراسة في حدودها السابقة، الى عملية أوسع ترتكز الى التفسير للظواهر الجغرافية، من خلال رؤية جديدة حيث يتم الاهتمام بدراسة العوامل المسببة للتغيرات المكانية والعلاقات التي تربط بين الظواهر الطبيعية والبشرية على تنوّعها، حيث يشكل المجال الجغرافي مسرحاً لهذه التفاعلات تلتقي فيه ضمن منظومة واحدة وإطار شامل يرسم حدود النسق الجغرافي، حيث التفاعل القائم بين الإنسان ببعده المجتمعي والطبيعة التي تضم كافة العناصر الضرورية لبقاء وإستمرار الحياة البشرية..
3- مرحلة التعميم الجغرافي وصياغة النظريات
مهّدت هذه المرحلة الى تطوّر مناهج الجغرافية في مضمونها وأبحاثها وشكلت نقلة نوعية مؤثرة حيث استفادت الجغرافية من تقدم مناهج البحث العلمي في مجالات أخرى، من خلال الربط بين هذه العلوم وإستخدام نماذج ونظريات حديثة تعدّت مجال الوصف والتفسير الى مرحلة التعميم الجغرافي وصياغة النظريات، مما ساعد في تطوّر الوظيفة الجغرافية من خلال امتلاك وصياغة قواعد معطيات ومفاهيم جديدة في البحث، مثال على ذلك تطوير أنظمة المعلومات les systèmes d’information géographique (SIG) أو قاعدة المعلومات الجغرافية، واستخدام الوسائل الكمية المتقدمة ( الثورة الكمية في الجغرافية)، وبناء نظريات ومبادئ، والقيام بدراسات معمّقة ووضع أطر مرجعية هامة، مكّنت الجغرافية من التقدم على بقية العلوم من خلال تجسيد الحقائق الجغرافية الثابتة، (نذكر مثلاً نظرية الأماكن في جغرافية المدن والتراتبية الحضرية، ونظرية الإستقطاب وتبادل الخدمات بين المدينة وإقليمها..) وما يؤكد هذا التوجه أن وكالة الفضاء الأميريكية (la NASA ) قد استخدمت نظام المعلومات الجغرافية في هندسة الطيران وطورته، وكذلك بالنسبة لتشغيل نظام البحث العالمي حول الأرض (le logiciel Google Earth ).
في الفترة الأخيرة عرفت الجغرافية تحولات كبيرة في المنهج، ترافقت مع عدة محاولات تهدف الى تطويرها على مستوى الأبحاث والممارسة في مجالات عدة، باعتبارها علماً يتركز على دور الإنسان في تكوين المجال الجغرافي وهيكلته وإنتاجه بأشكال مختلفة.. ويتركز هذا الدور في الدراسات الجغرافية وعلى مراحل متكاملة من الجغرافية العامة الى الجغرافية الإقليمية، من وصف الظواهر من حيث مورفولوجيتها وحركتها ، ثم البحث عن الأسباب التي أنشأت هذه الظواهر والعلاقات القائمة بين مختلف العناصر الطبيعية والبشرية، ثم إستخدام النماذج والنظريات الحديثة في البحث العلمي..
لقد حاول فيليب بانشمال في كتابه “وجه الأرض” القول أن العالم يتغيّر، وأن المجال الاجتماعي قد تغير مع الوقت، وذلك رغم تعدد آراء الجغرافيين وإختلاف إهتماماتهم (الطبيعية والإقتصادية والسياسية..).

رابعاً- من الموقع الى الخريطة وتنظيم المكان
ليس سهلاً تحديد الجغرافية، وذلك لتنوّع المجالات الجغرافية وإختلافها، حيث لايمكن حصرها في تعريف واحد، فقد تغير معناها بمرور الزمن، وفي محاولة لرصد التوجهات المختلفة في البحث الجغرافي، وبرغم تعدد المدارس والمناهج، يمكن تعريف الخطوط العريضة لمختلف المناهج، ثم حصر كافة النظريات التي تحدد أبعاد الجغرافية وتنوّع مجالات البحث الجغرافي، في العناوين الآتية:
1- جغرافية المواقع والملامح:
بدأت مع الإتجاه التقليدي في الجغرافية الذي يعود الى فترة القرن التاسع عشر التي عرفت ظهور الجغرافية العلمية، التي تطورت على أيدي القدماء في اليونان وروما حيث تم الإنتقال من المكان إلى وضع النظرية، وذلك مع تحديد أسماء المواقع الجغرافية (La toponymie)، لقد حملت هذه المرحلة أسماء بارزة في الجغرافية، أمثال فيدال دي لابلاش في فرنسا وفردريك راتزل في المانيا..
فقد أًجريت دراسات جغرافية متعددة حول أشكال سطح الأرض ومراحل تكوّن القارات وامتداد السواحل والبحار وخصائص المحيطات، كما تم تحديد كروية الأرض وقياس أبعادها، ثم تحديد خطوط الطول والعرض وتعيين المواقع ورسم المسافات، وجرت إكتشافات جغرافية واسعة ورحلات طويلة نحو أميركا الشمالية وأستراليا، استغرقت فترة طويلة من الزمن عبر المحيطات وحول الأرض أدت إلى رسم صورة سطح الأرض، مثل رحلة ماركو بولو(1271-1295) ورحلات غيره من المكتشفين المغامرين، حيث تم رسم خرائط القارات والأقاليم (وضع إيراتوستين Ératosthène أول خريطة للعالم) ، ووًضعت دراسات وصفية ومشاهدات جغرافية للمناطق الطبيعية والمعمورة في جميع الإتجاهات، مثل “المسالك والممالك”، كما سًجٍل تقدم كبير في دراسة الفلك والنجوم وموقع الأرض بين النجوم (الكوسموغرافية) وذلك حتى منتصف القرن التاسع عشر..

2- الجغرافية، تحديد وتمثيل الأماكن :
بُذلت جهود كبيرة لرسم ملامح وجه الأرض ، وتحديد الأبعاد، وقد توثقت هذه الإنجازات مع تطور علم الكارتوغرافية الذي ساعد في تقدم البحث الجغرافي، حيث أصبحت أدوات الخرائط ولغة الخرائط الأساس في الكتابات الجغرافية..وقد أسهمت الإكتشافات عبر القارات والرحلات في البحار والمحيطات، بالتعرّف الى حقائق جغرافية كثيرة حول العالم، نذكر مثلاً رحلات فاسكو دي غاما (في أفريقيا والهند) وكريستوف كولمبس (في أفريقا الوسطى) ورحلة ماجلان حول العالم…

3- التمركز والتوزيع والتنظيم
هذه بعض الآراء التي تسلط الضوء على مناهج البحث الجغرافي، وترسم أهدافها بطريقة موجزة، وفق الآتي:
– الجغرافية، دراسة التمركز والتوزيع… ويرى بيير غورو أن خرائط توزيع السكان مثلاً، تمثل وتوفر “افضل السُبل لمعالجة المشاكل المركزية للجغرافيا” ..
– الجغرافية، دراسة العلاقات بين الطبيعة والانسان.. ويرى الفيلسوف والجغرافي الألماني إيمانويل كانط أنه “لا يمكن معرفة الإنسان إذا كنا نجهل بيئته” … وأن تحديد جغرافية السكان يتم بواسطة الجغرافية الطبيعية (الطوبوغرافية، أشكال سطح الأرض، المناخ والمياه، الكائنات الحية..).
– الجغرافية، علم الأماكن الجغرافية وتنظيمها. حيث لا يكتفي الإنسان بمجرد مراقبة الأرض، بالعمل ياخذ منها عناصر الحياة، و يفرض بصمته هناك. كما أن وجود الجماعات البشرية قد غيّر سطح الأرض، وأدى الى تحوّلها.. في بداية القرن العشرين، بدأت الجغرافية الحديثة تشق طريقها بفضل المساهمات الكبيرة التي قدمها بعض الجغرافيين، ومنهم الجغرافي الألماني ” والتر كريستالر” (1893-1969)، الذي كان له الفضل في وضع نظرية الأماكن المركزية (le modèle des places centrales)، حيث تطورت مفاهيم دراسة التركيب الوظيفي للمدن، والعلاقات بين التجمعات الحضرية والشبكات المدينية..

خامساً- البحث عن حقائق جغرافية:
لئن اختلفت مفاهيم البحث، وتعددت الإتجاهات والنظريات، تبقى الجغرافية واحدة في مجال ودراسة العالم الحقيقي، ومع تطور وتعدد فروع الجغرافية نتيجة تطور نظام المعلوماتية، فقد كثُر الجدل حول وحدة الجغرافية، وطرح بعض الجغرافيين مسألة “أزمة الجغرافية” وحتى “مستقبل الجغرافية”، وذلك بعد بروز أساليب حديثة في البحث الجغرافي بدت وكأنها خروج على المنهج الجغرافي كنظام له حدوده في موازاة العلوم الأخرى…
لكن هذه الأبحاث وان إبتعدت وتعمقّت في التحليل، وبرغم تنوّعها في إستخدام الأساليب العلمية لإبراز الحقائق، كانت تعود في الأساس لتلتقي في مجال واحد حدوده الجغرافية، وهذا يعود الى تنوّع اشكال المجالات الجغرافية وتعدد الأوجه، ثم تداخل العوامل المؤثرة فيها، مما أثار الكثير من التساؤلات حول تصنيف هذه العناصر في المجال الجغرافي بحسب الأولوية..
لكن في مجال آخر، لا بد من الإعتراف بوجود تباين في بعض الأحيان، حيث المسافة بعيدة جداً بين الجغرافيين، الباحثين من أصحاب المؤلفات العلمية والكتابات الجغرافية، الذين يرون أن الجغرافية هي “علم تنظيم المكان”، “science de l’organisation de l’espace”. وغيرهم من الذين لم يستفيدو من التقدم في مجال البحث العلمي، حيث لا زالت تعتبر الجغرافية بنظرهم “علم معرفة الأرض” “la connaissance de la terre”,…
ويتجلى هذا التنوّع في الكتابات المعمّقة والرائعة التي قدمها بعض الجغرافيين، ومنهم بين الجغرافيين العرب جمال حمدان عام 1980، في كتابه الشهير: “شخصية مصر، دراسة في عبقرية المكان”، وهو يمثل أروع ما كتب عن مصر في مختلف العصور بين التجانس الطبيعي والبشري، من الأرض الى السكان والعمران والحضارة، فهو لا يترك شاردة أو واردة عن مصر إلاّ كتبها، كما طرح أسئلة معبرة عن دور مصر وموقعها ومستقبلها…”مصر قلب العالم ولكن؟… أحقاً مصر منكوبة بموقعها الجغرافي؟…. هل إهتز موقع مصر الإستراتيجي؟..وغير ذلك..”.
ويمكن القول بشكل عام، أن الجغرافية قد تكوّنت منذ نشأتها، وتقدمت في عدة إتجاهات، بحيث يمكن حصرها في ثلاث تيارات وفق الآتي:
– الجغرافية الطبيعية العامة: وهي تضم الجغرافيين الباحثين في علوم المحيط الطبيعي (التضاريس، المناخ والمياه، المحيطات، النبات، الحيوان، والنشاط البشري..)، وكذلك الدراسات المتعمّقة والمتخصصة في الجغرافية الطبيعية (علم المناخ، الجيومورفولوجيا، الهيدرولوجيا، والبيوجيوغرافيا)، والتي هي في جوهر النظام الجغرافي..
– الجغرافية، علم تنظيم المجال: وهي تضم الباحثين في مجال تنظيم الأماكن الجغرافية، والذين توصلوا في أبحاثهم لوضع نماذج كمية متقدمة في البحث العلمي أغنت المكتبة الجغرافية، واسهمت بشكلٍ كبير في اكتشاف حقائق جديدة، وتطوير مفاهيم وادوات التنمية المستدامة.. حيث تم إدخال طرق جديدة ، وتقنية متطورة في البحث الجغرافي la géographie quantitative، وهي التي أدت إلى وجود تكامل بين منهج البحث الجغرافي وبقية العلوم..

– الجغرافية، علم المجتمعات في المجال: وهي تضم نخبة من الجغرافيين الفرنسيين، من التيار الماركسي في النصف الثاني من القرن العشرين، نذكر منهم: أيف لاكوست، وبيير جورج، وبول كلافال..وكان الهدف هو إبراز مدى تاثير المجتمعات، وتأثرها في المحيط والبيئة الطبيعية، او بشكل آخر: تحديد العلاقة بين المخلوق الإجتماعي والمكان الجغرافي…

سادساً – وصف العالم الحقيقي: التأمل
وفي محاولة عبثية لدراسة المكان في باريس، أو معرفة الحقيقة التي لا يمكن الوصول إليها، يكتب جورج بيريك عام 1974، وهو جالس في مقهى ملاحظات سريعة حول ما نقوم به، والأشياء التي لا يمكن ملاحظتها، والتي ليس لها أهمية، وذلك بغض النظر عن الوسيلة المستخدمة في رؤية العالم كما هو، فهو لا ينخدع عبثاً، لأن الكلمات لا تؤدي إلى إكتشاف العالم الحقيقي، أو ما نسميه الحقيقي، وفي محاولة لرسم بعض الأشياء الشديدة الوضوح، وعن طريق الصور والكلمات، فهو يكتب حول الفضاء ومشاهدة الفراغ بطريقة وجدانية: ” الطقس بارد وجاف، والسماء غائمة ورمادية، مع بعض الإنفراجات، الأمور واضحة تماماً… ماذا يحدث عندما لا يحدث شئ، إن لم يكن الوقت، والناس، والسيارات، والغيوم، …التاريخ 18 أكتوبر 1974…”
الجغرافيا هي النظام الذي يركز على الإنسان قبل كل شيء…الطبيعة تقدم والإنسان ينظم ..
« la nature propose, l’homme dispose ».
وهي تهتم بالبعد المكاني للظاهرة الاجتماعية.. كيف تنتظم المجتمعات الإنسانية في المجال الطبيعي، وكيف تنظم مجالها؟ .. الفضاء الجغرافي هو بكامله من تنظيم الإنسان.. فالجغرافية ليست علم الطبيعة، بحيث يركز الجغرافي الفيزيائي في دراسة البيئة الطبيعية على الإنسان قبل كل شئ.. الجغرافية إذاً هي إنتاج إجتماعي، مما يعطي الأهمية للبعد الإجتماعي في تكوين المحيط الإنساني، وهي شكل من أشكال الإيكولوجية البشرية Ecologie humaine…..
وإذا كانت الجغرافية هي علم إجتماعي، فهذا يضعها أمام بعض الأسئلة المأخوذة من المحيط الإجتماعي، وهي في القلب لدى صنّاع القرار، فهي نظرية بناء، وليست مجرّد إضافة للخبرة فقط،
…….فالجغرافية هي التأمل… la géographie est une réflexion..لبلوغ الحقيقة…والتنمية المستدامة..
ومهما حصل من تغيرات، أو تبدلت أساليب البحث الجغرافي بين الماضي والحاضر والمستقبل، تبقى الحقيقة جوهر القضية وملازمة للبحث الجغرافي، وكما يقول الفيلسوف هنري يفبفر Henri Lefebvre.: ” ما يهم، ما يدوم، هو الطريق، أكثر من الذين يمشون”….

د. علي فاعور
عضو مجلس إدارة المجلس الوطني للبحوث العلمية
أستاذ الجغرافية وعميد كلية الآداب في الجامعة اللبنانية سابقاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى