الكره العربي المزيف للعلمانية التركية العنصرية … اضاعت القومية العربية
“…فكان للسياسة القومية العلمانية العنصرية التركية النصيب الأكبر من ذلك الكره العربي المتنامي والبحث عن سبل التحرّر من الاستبداد، وقد بادرت كلّ القوميات في البلقان وغيرها بالتمرّد العسكري للخلاص من قيود القومية التركية وعنجهيتها البغيضة التي لم تنضبط بأخلاق الدين الإسلامي الذي تزعم تمثيله حيث الأغلبية من رعاياها، أو تسامح المسيحية حيث “الأقليات” مضطهدة أو مهجّرة. لقد كان هنالك أسباب متراكمة متوالية متداخلة لثورة أحرار العرب، ومنها: سياسة التتريك الشامل وبخاصة إقصاء اللغة العربية، وتغلغل الفقر والجوع والأمراض والفوضى الأمنية …”
الباحث الذي كتب هذا الفقرة، ضِمْن نصٍّ توصيفي لم يخلو من التحليل المنهجي والربط التاريخي، هو أستاذ اللغة العربية، الدكتور خليل الرفوع، ولو لم يشرْ أستاذ البلاغة لصفته العلمية لحَسِبنا أن مؤرّخاً كتبَ هذه المطالعة القيّمة والموضوعية، وقد أثبتَ أديبُنا أن العلوم لا تتجزّأ بل هي كتلة معرفية واحدة متكاملة. والأهم المعرفة الصحيحة والهادفة. وهنا يحفّزني السؤال والذي دفعني لأكتب هذه الورقة تعقيباً: ما بالُ المؤرّخين اليوم (هذا إن وُجد من يستحق فعلياً هذه التسمية)؟ ما الذي غيّب وعيهم وجعلهم في مأزق الخبث والمراوغة والدجل والخداع والأخطر الكذب على النفس قبل سلب عقول الآخرين وغسل أدمغة العموم بما يلفّقون؟
التاريخ أضحى باباً مفتوحاً على مصراعيه وما أحداث بداية القرن الواحد والعشرين سوى نسخة حديثة ومفضوحة وجليّة عن الأحداث عيّنها التي جرتْ بداية القرن العشرين المنصرم، وإن اختلفت التقنيات وتغيّرت تسميات الفاعلين سياسياً وعسكرياً واستعمارياً. ولن أسترسل في الحديث عن هؤلاء المغيّبة عقولهم ووجدانهم وحسّهم الوطني والقومي العربي لدرجة نكران ونفي التدهور الذي أصاب أمتنا العربية خلال أربعمئة سنة ونيّف من الاحتلال العثماني لها، والذي لبِس عباءة الإسلام زوراً وبهتاناً، وما زال الإسلامُ يتحمّل وزر هذا التشويه وتبعاته الى اليوم والسمعة السيّئة التي ألصقت به من جرّاء التوظيف السياسي الجائر من قبل الأعاجم والمغول والتتر القدامى المتجدّدون، وبدعم من القوى الاستعمارية الغربية نفسها.
ومن ناحيتي ما يهمّني هي النتائج وهي حالتنا اليوم، فأقول:
-أمّتي العربية ما زالت أمّةً موجودة، معناه أنها عَصيتْ على الذي أراد إزالتها من الوجود.
-لغتيّ العربية أضحت أقوى، معناه أنها تحدّتْ وقاومت وانتصرت، لا بل هي المسيطرة على “الفبركات والحرتقات” التي أرادت محوها كلياً. وما استذكاري لروّاد وأعلام القومية العربية من أمثال المعلم بطرس البستاني وإبراهيم اليازجي، الخ، ونضالهم للحرية واستنهاض الهمم الوطنية وحماية اللغة العربية، الا من باب ردّ الجميل لهؤلاء المناضلين بالعلم والكلمة والحرف وهي اقوى الأسلحة.
-أن تكون امتي تراوح في الدوامة السياسية نفسها معناه أن المسيرة ما زالت طويلة، وما بدأه الاشراف القوميون العرب هو بداية لنهاية علينا توجيه النشأ وتأهيل أبنائنا لبلوغها؛ العمل كبير أمامنا وشاق ومضني، فالى العمل.
د. فيفيان-لبنان