مقالات رأي

لبنان أيقونة مصرية ومصيرية

نبيه البرجي

أي حريري اذا زار اسطنبول , والقاهرة , وباريس , وحتى ان زار البيت الأبيض , ولم يزر , أو لم يتمكن من أن يزور قصر اليمامة ؟ ربما السؤال الآخر , أي حريري حين لا تعود العباءة الملكية على كتفيه , حتى ولو لم توضع , لغاية الآن , على كتفي أي شخصية سنية أخرى ؟
لو كان الحريري الأب هناك لما حاد أنملة عن البلاط . لكن الزمن يبدو وقد انقلب على الزمن . ألم يقل سيمور هيرتش ان رجال جورج دبليو بوش صاغوا خارطة الشرق الأوسط الجديد كما لو أنهم يصوغون خارطة الجحيم ؟ دونالد ترامب , بالسياسات المجنونة , فعل في المنطقة أكثر بكثير مما كان في رأس ديك تشيني وبول ولفوويتز …
مضحك القول ان الرئيس سعد الحريري زار رجب طيب اردوغان للتوسط بينه وبين دولة خليجية . كيف للذي اندلعت النيران في ثيابه أن يحاول اخماد الحريق في منزل جاره ؟ وهل الطريق بين بيت الوسط والباب العالي أقرب من الطريق من بيت الوسط الى القصر الجمهوري ؟
غالبية اللبنانيين لا ترى مانعاً من أن يكون الطريق بين أي قصر في لبنان وقصر الاتحادية في القاهرة أقرب من أي قصر آخر . هذه مصر . هنا في حضرة محمد علي باشا الذي اذ باشر ببناء دولة تتفاعل مع جدلية الأزمنة , كاد ينجح في اجتثات السلطنة العثمانية من الأرض العربية , ومن التاريخ العربي , لولا التواطؤ الأوروبي . وهنا في حضرة جمال عبد الناصر الذي حطم اسطورة الأمبراطوريات التي لا تغيب عنها الشمس .
نستذكر ما كتبته “الايكونوميست” البريطانية في آب 1947 “اذا زهت مصر زها العالم العربي واذا ذوت مصر ذوى العالم العربي” . وراء الضوء ما زالت الأصابع المصرية الناعمة تلامس الوجع اللبناني . كنا نتمنى لو كانت الأصابع الغليظة ما دامت الأمبراطوريات الميتة تحاول العودة على جثثنا . جثثنا المبعثرة في الهباء , سواء كانت مرصعة بالذهب أم كانت مرصعة بالتنك ؟
خلال زيارة لمحمد حسنين هيكل لم يدهشني فقط بالتفاصيل وما وراء التفاصيل حول مسار الحالة اللبنانية , ومنذ القرن التاسع عشر . أدهشني بشغفه بلبنان . وصفه كان مثيراً لـ”الهشاشة الخلاقة” فيه والتي اذ تحتاج الى الىتسويات العجائبية عند أي هزة , تجعل المجتمع أكثر ديناميكية وأكثر قابلية للابداع . وصف لبنان بـ”ايقونة الشرق” التي موتها يعني موت المنطقة .
نظرة القاهرة الى لبنان لا تزال هي هي . ديبلوماسي مخضرم قال لنا “ما دام لبنان لم يسقط بفعل الهزات الارتدادية للزلزال الذي ضرب سوريا كما لم يضرب أي دولة أخرى في العالم , لن يسقط في أي زلزال آخر” !
الآن , القاهرة التي ابتعدت عن القضايا الساخنة في المنطقة العربية مازالت تشعر بالخوف على لبنان . ترى أن أي تفكير في تغيير الصيغة الراهنة , وفي هذه الظروف , مجازفة قاتلة .
نتصل بزميل مصري قريب من “المراجع العليا” . قال لنا ان الرئيس السيسي معني بمحاولة اقناع الدول الخليجية بمد يد العون الى لبنان فور أن تتشكل حكومة بعيدة عن الصراعات الداخلية والاقليمية .
الزميل المصري وصف تلك الصراعات بين أركان الطبقة السياسية بأنها أقرب ما تكون الى مسرح اللامعقول حيث اللعبة العبثية التي لا توصل الى مكان . ودعوة الى حل الخلافات في هذه المرحلة بالذات والتي قد تشهد تحولات مثيرة على صعيد العلاقات بين بلدان المنطقة .
هل نصح الرئيس السيسي ضيفه بكسر الجليد مع رئيس الجمهورية ؟ “لا أدري ماذا حدث بدقة , لكن الأجواء الرئاسية تشير الى أن اللقاء كان بناء , ولسوف تعقبه اتصالات مع الاليزيه لفتح كوة في الجدار” .
الأجواء اياها لا تستبعد أن تفضي الاتصالات الى تفاههم حول التشكيلة الحكومية التي باتت قضية مصيرية , وهذا ليس رأي القاهرة فحسب , بل هو رأي باريس أيضاً .
في مصر يتحدثون عن “المسرحية” التي أبطالها نجوم المنظومة السياسية . هل هي التراجيديا أم الكوميديا ؟ في عالم المسرح , ثمة نوع يدعى “التراجيكوميديا” . عالقون بين التراجيديا والكوميديا …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى