مقالات رأي

الفاسد نافالني يحارب الفساد

بقلم حبيب فوعاني

Коррумпированный Навальный борется с коррупцией
Хабиб Фуани

لا تزال قضية أليكسي نافالني تتفاعل على الصعيد الدولي، فمن هو المدون الروسي هذا؟
عندما تفكك الاتحاد السوفياتي في سنة 1991، كان عمر أليكسي نافالني 15 عاما، ولذا فهو لم يستطع استيعاب هذه “المأساة الجيوسياسية الكبرى في القرن العشرين”.
بيد أن ذلك صب في مصلحة أفاكين آخرين كانوا يفوقونه عمرًا ومكرا، فاستحوذوا على ثروات الأجيال السوفياتية في عهد الرئيس الروسي بوريس يلتسين بأبخس الأثمان تحت مسمى الخصخصة، التي قادها “الليبرالي” الغربي الهوى أناطولي تشوبايس، والتي وصف أساليبها عمدة موسكو الراحل يوري لوجكوف بأنها “إجرامية”.
أما بطلنا، وفي سبيل البحث عن مكان له تحت “شمس” الرأسمالية الوحشية الزاحفة، فبدأ باكرا مسيرته في عالم المال والأعمال.
وفي سنة 1997، ولما يزل طالبا بكلية الحقوق في الجامعة الروسية لصداقة الشعوب في موسكو، وعمره لم يتجاوز 21 عاما، أسس شركة “نيسنا” لتقديم خدمات تزيين الشعر، ثم باعها.
وفي سنتي 1997-1998، عمل في شركة “إس تي-غروب” للتطوير.
وفي سنة 1998 عمل في بنك “إيروفلوت”.
وفي سنة 2000، أسس مع أصدقائه الجامعيين شركة مارست تجارة السندات المالية في البورصة.
وقد شكا الخبير السياسي أليكسي موخين في كتابه “نافالني. الحصيلة” من أن كل محاولاته للبحث عن هؤلاء الأصدقاء باءت بالفشل.
ولعل مقامرنا الجديد يشبه الزعيم السوفياتي يوسف (وليس جوزيف) ستالين في فرضه التعتيم على سيرته الأولى، وكذلك في إقصاء كل من يرفض أن يكون أداة طيعة في يديه لتحقيق مآربه، التي لم تكن سياسية لدى دون كيخوته الروسي بادئ بدء. لكن فشله في البيزنس، الذي لم يكن شفافا دائما، جعله يفكر في استخدام السياسة لإرضاء غروره غير المحدود. وقد أكد أنصار نافالني السابقين غياب أي طموحات سياسية لديه آنذاك، وأنه كان يريد فقط تحسين فرصه لكسب النقود.
غير أن “اللبراليين” الروس، الذين يسبحون بحمد كل ما هو غربي ليل نهار، ويكنون العداء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وجدوا ضالتهم الكبرى فيه، وأرادوا استخدامه لأهدافهم. فاحتضنته حينًا من الوقت إذاعة “صدى موسكو”، التي أسسها في عهد يلتسين رئيس المؤتمر اليهودي الروسي السابق الأوليغارشي فلاديمير غوسينسكي.
وفي هذه الأثناء وبعد تباطؤ كان سببه الخوف من تهور نافالني وتفرده بالقرارات، وافق حزب “يابلوكو” اللبرالي المعارض، الذي يتزعمه غريغوري يافلينسكي، على انضمامه إليه.
وفي سنة 2005 بعد تقربه طويلا من حاكم مقاطعة كيروف “اللبرالي” نيكيتا بيليخ، الذي يقبع الآن في السجن بتهمة الرشوة، أصبح مستشارا له وغادر العاصمة الروسية إلى كيروف. وقد استخدم نافالني هذه الوظيفة ليس لنشر أسس اللبرالية ومبادئ الديمقراطية ومحاربة الفساد، بل في تجارة الأخشاب، البيزنس الذي تكتنفه الشبهات دائما في روسيا.
وبما أن المشكلات ظلت قائمة بينه وبين قادة حزب “يابلوكو” بسبب نرجسيته وشعبويته المفرطة، فقد طرد من الحزب في سنة 2007، بعد مشاركته في مسيرة للقوميين العنصريين الروس في موسكو، وإعلانه تأييده للقومية الروسية المتطرفة، وهذا ما تتناساه الصحافة الغربية الآن.
وفي سنة 2008، عندما هاجم الرئيس الجورجي آنذاك ميخائيل سآكاشفيلي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ودافعت عنهما روسيا، وكادت تنشب أزمة خطيرة بين موسكو والغرب، دعا هو إلى حصار جورجيا وطرد جميع المواطنين الجورجيين من روسيا، وأطلق عليهم تسمية مهينة هي “القوارض”. وهذا أيضا تناسته وسائل الإعلام الغربية “الحرة”.
أما ما تتجاهله الآن غالبية وسائل الإعلام العربية “الغيورة على الديمقراطية في روسيا” فهو موقفه السلبي من بناء المساجد والحجاب، وسخريته من صلاة المسلمين في الشوارع حول مسجد موسكو في عيدي الفطر والأضحى، ومن الوافدين المسلمين كافة إلى العاصمة من داخل روسيا وخارجها.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه ظل يثير اهتمام “اللبراليين” الروس، الذين واصلوا دغدغة كبريائه.
ومن ذلك رفع الخبير السياسي الماكر ستانيسلاف بيلكوفسكي، الذي كان بالغ النفوذ في عهد يلتسين، نخب رئاسته المنشودة لروسيا في أحد مطاعم موسكو.
كما أن رئيسة تحرير مجلة “نيو تايمز” المتطرفة في ولائها للغرب يفغينيا ألباتس، أقنعته في سنة 2010، بالدراسة نصف سنة في جامعة ييل الأمريكية.
وتؤكد مصادر صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” (21/12/2017)، التي لا يمكن اتهامها بأنها بوق للكرملين، أنه تلقى قبل ذهابه إلى الولايات المتحدة أول 100 ألف يورو في حياته من الأوليغارشي الآبق ميخائيل خودوركوفسكي. وتضيف هذه المصادر أن خودوركوفسكي أصبح “يستثمر” بعد ذلك أكثر في نافالني، لأنه رأى فيه “سياسيا واعدا”.
وفي سنة 2011 استأجره “معهد روسيا المعاصرة الأمريكي” لتقديم الخدمات الحقوقية، وكان يدفع له مقابل ذلك 10 آلاف دولار شهريا.
وتتحدث مصادر مطلعة عن تلقيه أموالا طائلة من أرباب الحل والربط الغربيين، للتغطية على المشكلات الداخلية، التي يواجهونها هناك، ولاستخدام نشاطه في الضغط على قرارات الكرملين.
ويتهم المراقبون الروس الأوليغارشيين الفارين مثل خودوركوفسكي، والمالك الحالي للحصة الكبرى من أسهم صحيفة “معاريف” الإسرائيلية فلاديمير غوسينسكي، بتمويله أيضا للانتقام من غريمهم بوتين.
وهناك أسئلة كثيرة تطرح بشأن المبالغ الضخمة، التي يتلقاها مكافح الفساد “العنيد” من داخل روسيا وخارجها، وينفقها وفق مزاجه ولغير الغرض المقصود، بما في ذلك لتمويل دراسة ابنته داريا في جامعة ستانفورد الأمريكية.
وفي إطار ذلك يبدو الفيلم الوثائقي التحريضي عن “قصر بوتين” المزعوم، الذي بلغت تكلفته وفقا للفيلم الاحترافي مليارا و300 مليون دولار، ولا يتحدث أحد عن ميزانية الفيلم الضخمة، وعديد الجيش الأممي الجرار، الذي عمل على إخراجه. كل ذلك لإثارة استياء المواطنين الروس، الذين أناخ الفيروس التاجي بكلكله عليهم، وكذلك على العالم كافة، هذا رغم تمكن روسيا من التغلب على هذه الأزمة بنجاح كبير مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا.
وقد لاحظ الصحافي بافل دانيلين أن نص الفيلم الروسي هو ترجمة غير دقيقة من لنص كتب بالإنجليزية، حيث تتحول مثلا “mud room” من مدخل للقصر إلى غرفة للوحل، و”Lounge” من غرفة راحة إلى غرفة لتدخين النارجيلة، ولم يأخذ كاتبو النص بالحسبان أن بوتين، خلافا للزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف، لا يدخن، ويضيق ذرعا بالمدخنين.
ولكن، مهما ظهر من أفلام فضائحية على الشاشات، وخرج متظاهرون إلى الشوارع والساحات، وصدر في الغرب من بيانات وتصريحات، فلن يؤثر ذلك كثيرا في الحياة السياسية في روسيا، أما أليكسي نافالني فسيبقى شخصية فاسدة غريبة الأطوار تعشق المال والشهرة ليس إلا. ويبدو أنه أصبح الرصاصة الأخيرة في جعبة مموليه، الذين أطلقوها على أعتاب الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستجرى في هذه السنة، وأن مدة صلاحية بضاعته السياسية على وشك النفاد. فهل يفهم هو ذلك؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى