مقالات رأي

“حزب الله” في سوريا

نبيه البرجي

مرة أخرى … ليس دفاعاً عن “حزب الله” بل دفاعاً عن لبنان !
انطلاقاً من الحديث عن أزمة الشيعة مع أنفسهم , ومع الآخرين , وحيث فائض القوة يظهر , على نحو منهجي , وكأنه فائض الفوضى .
البقاع مثالاً . اي سمعة للشيعة هناك ؟ هؤلاء الذين خرجوا , كما الشيعة في المناطق الأخرى , من الركام الذي رزحوا تحته لقرون , وقد طفوا على السطح , بكل ديناميات الانفتاح , والتفاعل , فضلاً عن تقديس التعددية (والتنوع) في لبنان , ليكون الشيعي فاعلاً في الحزب الشيوعي , وفي الحزب السوري القومي الاجتماعي , وحزب البعث العربي الاشتراكي , والحزب التقدمي الاشتراكي , وحتى في حزب النجادة , وصولاً الى حزب الوطنيين الأحرار .
هكذا المظهر الشائع عن الشيعة في البقاع . الكلاشينكوف الذي جعل حتى الصعاليك قبضايات المدن والقرى , القتلة (لبعضهم البعض أو للاخرين) , قطاع الطرق , حرامية السيارات . المهنة العابرة للطوائف , كما للطوائف , وان كان الذي يبدو غالباً أن الدماغ شيعي , واليد شيعية , والمستودع شيعي .
انهم القلة المجهرية داخل الطائفة . ولكن في مجتمعنا (أو مجتمعاتنا) , وحيث تنتفي المسافة بين آخر صيحات فيرساتشي وآخر صيحات البداوة , نحترف التعميم مثلما نحترف التعمية …
هذا يحدث في ظل تسونامي ديني (أو مذهبي) في حضرة الآلاف من رجال الدين الذين قضيتهم أن يشتموا , على المنابر , أميركا واسرائيل , دون أن يلتفتوا , فعلاً لا قولاً , الى المشكلات السوسيولوجية , وحتى البنيوية , التي تهز المسار التاريخي للمجتمع الشيعي .
انها الطائفة , الثائرة عبر الأزمنة , والتي أنتجت المقاومة , وقد قهرت القوة التي لا تقهر , وأرست معادلة توازن الرعب مع من يمتلكون , بالاضافة الى الترسانة التوراتية , الترسانة النووية التي يمكن أن تجعل من الشرق الأوسط , وفي غضون دقائق , الأرض اليباب .
هكذا طرحت نفسها . طائفة لكل لبنان . مقاومة لكل لبنان . ويفترض بالشيعي أن يفكر هكذا , لا أن يكون الأقوى (على الأوادم) من طائفته , ومن سائر الطوائف , دون أن نغفل التاثير الرهيب للايحاءات المبرجة بأن المقاومة مسؤولة عن سقوط البلد ليس في العوز فحسب , وانما أيضاً في الخواء , بفعل الصواريخ التي جعلت حتى رياح جهنم تهب على لبنان , كما لو ان اللبنانيين من دقوا , بأحذيتهم , أبواب تل ابيب , لا أحذية أرييل شارون , وزبانيته , وهي تختال في أروقة القصر الجمهوري في بعبدا .
مشكلتنا في الأحزاب , والقوى , التي تقوم على “ايديولوجيا الكراهية” . هذه الكراهية التي تستخدم , بدفع خارجي أو بدفع غرائزي , في الحرب ضد “حزب الله” . ربما ذلك من تراث هذا البلد , وحيث أحزاب الطائفة الواحدة تتبادل ما دعاه المطران الجليل جورج خضر “حوار الاسنان الصفراء” !
من يستطيع أن ينفي تشكيلنا القبلي , وعلاقاتنا القبلية , ان بالياقات الفاخرة , أو بالقصور الباذخة . في سهرة , هي سهرة الدهر , قال لنا محمد الماغوط “يا صاحبي , اننا نقود الرولس رويس , ونحن ننتعل القباقيب ” !
فور أن اغتيل لقمان سليم , وهي الجريمة التي يرفضها أي عقل نظيف , وأي ضمير نظيف , انهالت الاتهامات على الحزب . مواقف الفاست فود , لبنانياً وعربياً , جاهزة . دائماً نغمة التدخل العسكري في سوريا , كما لو ان الغاية ليست حماية الدولة في لبنان قبل حماية الدولة في سوريا .
السيناريو لم يكن يقتصر على تقويض النظام هناك . تقويض الدولة , ما يستتبع , في ظل الفوضى الايديولوجية , وحتى الفوضى الجيوسياسية , في المنطقة , زوال الدولة اللبنانية لترتفع رايات “داعش” , وكل تلك المشتقات الرثة , فوق القصر الجمهوري , وفوق السرايا الحكومية .
هكذا بالتواطؤ مع أحصنة طروادة في الداخل الذين لم تهزهم فاجعة الجيش اللبناني في عرسال , بل ذهبوا الى هناك ليعلنوا الولاء لأبي بكر البغدادي , ولأبي محمد الجولاني , ولأبي عمر الشيشاني .
هؤلاء الذين لم يقرأوا ما توقعه أفيغدور لبيرمان حول سقوط لبنان وسوريا بالضربة القاضية . أيضاً , هؤلاء الذين لم يروا كيف قطعت رؤوس العسكريين اللبنانيين , أو كيف افرغت زخات الرصاص في رؤوسهم , هل كانوا ينتمون الى “حزب الله” ؟
الذين لا يعرفون طول الحدود بين لبنان وسوريا , وبينهم وزير داخلية سابق (قال 60 كيلومتراً وهي 375 كيلومتراً) . اي أن لبنان من شماله الى جنوبه كان يمكن أن يسقط , خلال أيام , في قبضة الآتين من ليل الأزمنة , لتباع نساؤنا كما بيعت النساء اليزيديات , والمسيحيات , والشيعيات , وحتى النساء السنيات , في أسواق الموصل , وفي أسواق الرقة .
حتى ولو كنا ضد النظام , عار أن يكون الدخول الى سوريا تهمة يومية . لكن صراع الكراهيات , وصراع الجاهليات , على قدم وساق . هنا … خراب لبنان !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى