هل من امكانية لظهور مذهب ثالث بين السنّة والشيعة لانقاذهم من ذلك الصراع السيزيفي الذي يستهلك الأزمنة , ويستهلك الامكانيات , كما يستهلك ديناميات الدخول في القرن ؟
هذا في ضوء تداعيات الزيارة التاريخية التي قام بها البابا فرنسيس لبلاد الرافدين …
السؤال ليس في الفقه الذي طالما دفع بنا الى التيه , وانما في السياسة , وحيث يستخدم الدين ان لحماية عروش القرون الوسطى , أو لأغراض جيوسياسية . والنتيجة الانصراف عن صناعة الزمني والغرق في اللازمني .
المنطق يقول بالفصل بين الدولة والدين , وبين الدين والدولة , للحؤول دون خراب الدين والدولة .
الحبر الأعظم زار العراق , وحيث النموذج الدرامي للتصدع الطائفي , والاتني . في زمننا , هل المرجعيات الروحية , وحيث ثقافة التسامح لا ثقافة الطبول , ولا ثقافة السواطير , هي التي تحد من ميكانيكية الصراع , أم أن العملية , بكل ابعادها , رهن النرجسية التي تحكم أهل السلطة عندنا , وقد حلوا محل الملائكة , وربما حلوا محل الأبالسة , في القبض على أرواحنا ؟
الأضواء تمحورت حول لقاء الزائر الكبير والسيد علي السيستاني , بالشخصية الاستثنائية , ليس في الزهد والتقشف , فحسب , وحيث نرى مراجع دينية مسكونة بشبق المال , وشبق السلطة , وانما في رؤيته لمفهوم الدولة التي لا يحكمها النص الديني , الفضفاض والضبابي, والقابل لكل أشكال التأويل .
لشدة ازدرائه لنا , وربما لشدة واقعيته , يقول برنارد لويس , المستشرق الشهير , والمنظّر الفلسفي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة , “حتى الذبابة باستطاعتها أن تعبث بأدمغة هذا النوع من البشر . ما بالك اذا كان التاريخ, بكل أهواله , يعبث بأدمغتهم , وما بالك بالايديولوجيا , بكل أهوالها , تعبث بأدمغتهم !!
لم يقل … ما بالك اذا كانت أمبراطورية , بصلاحيات الآلهة , هي التي تعبث بادمغتهم . لاحظ أن البداوة التي تستوطن الخارطة الجينية لديهم , قرأت الاسلام بأسنانها , حتى أن الأزهر الذي قال “احذروا فقه البادية” , كاد يقول “احذروا دين البادية” , لا للتشكيك بالدين الحنيف , وانما لتنظيفه من منطق القبيلة , ومن أدبيات القبيلة …
هكذا , حين يظهر مفكرون يقولون بالتفاعل بين جدلية النصوص وجدلية الأزمنة , اما أنهم يلاحقون بالسكاكين , أو يتهمون بالالحاد , ليدفعوا , بمنتهى الفظاظة , الى الظل أو الى البحث عن ملاذ آمن في الغرب . وغالباً ما تؤدي مسايرة الأنطمة لأصحاب الأفكار الميتة , الى الانتقال بالدين من البداوة الى منتصف الطريق بين جاذبية الأقبية وجاذبية القبور , ودون أن تكون هناك امكانية ل”انتاج” مارتن لوثر اسلامي لتنظيف المسار الفقهي من اللوثة الوثنية .
من أطرف الأسئلة التي طرحها مثقفون سنّة وشيعة , في العراق . لماذا لا يوجد بابا للمسلمين ؟ فاتهم أنه في كل زقاق , وفي كل زاوية , ثمة بابا للمسلمين . ربما كانت المشكلة في العدد الهائل لبابوات الاسلام , ولبابوات المسلمين .
لا أحد بلغ به التفاؤل حد الرهان على أن تؤدي الزيارة البابوية الى أي تغيير في المسارات السيكولوجية لمجتمعات المنطقة . هذا لا يعني أن الزيارة لم تترك وراءها آثاراً كثيرة في الوجدان السياسي , أو الديني , لدى مختلف الفئات في العراق .
السنّة والشيعة , الأكراد والايزديون , الكلدان والأشوريين , كلهم استقبلوه بقلوب نقية , وراقية , ومنفتحة . لماذا لا يكون هناك من مجال للامتداد بتلك اللحظة , وبناء رؤية جديدة , ومتجددة , للعلاقات بين سائر المكونات الدينية والسياسية ؟
مؤشرات كثيرة على البعد الرومانسي في ما آلت اليه نتائج الزيارة , وان كان حلم الكثيرين اجتثاث الكراهية , والزبائنية , من المناخ العام .
شخصية سياسية عراقية قالت لنا” يا صاحبي , لو زارنا الله لا أسقف روما , لما تغير شيء في لاوعينا , وفي وعينا . أنظر كيف أن الأتراك , والايرانيين , الذين حولنا , وحتى الأثيوبيين , بنوا , أو يبنون , دولاً فاعلة في الاقليم . نحن باقون مثل رمال الصحارى , وتذرونا الرياح” .
يا بابوات الاسلام في دنيا العرب … !!