نشأت دعوة ليبرالية جديدة néo – libéralisme قادها الإقتصادي الأمريكي ليبمان W.Lippman. بهدف إنقاذ الليبرالية ـ الحرية الإقتصادية.
حافظ الليبراليون الجدد على جوهر الليبرالية والأسس التي تقوم عليها من حيث الإعتقاد بالنظام الطبيعي وتوكيد الملكية الخاصة والحرية الفردية والمنافسة الحرة ، فهم يعتقدون بضرورة تدخل الدولة بهدف إقامة النظام الطبيعي من خلال ضمان عمل المبادرات الفردية في إطار من المنافسة الحرة.
بمعنى آخر «التدخل من أجل الحرية» في مواجهة الإحتكارات ، وهذا لا يعني التقليل من الحرية وإنما في صيانة هذه الحرية ، فالليبراليون الجدد يعتقدون بالآليات العفوية لقوى السوق وأثرها في تنظيم النشاط الإقتصادي ولكن ذلك لا يتم إلا بضمان المنافسة الحرة شرطاً لضمان عمل تلك الآليات.
وعليه فإن الليبراليين الجدد ينادون بالتدخل من أجل الحفاظ على المنافسة الحرة وصونها بهدف تحقيق النظام الطبيعي.
إن تطور إقتصاديات السوق منذ الثلاثينات من القرن العشرين يظهر أن الدولة لم تعد تكتفي بالحياد ، إذ عهدت إليها مهمة تنظيم الأنشطة الإقتصادية وضمان تحقيق النمو الإقتصادي.
كما أضحت الدولة نفسها بمنزلة الرأسمالي فأقامت الكثير من المصانع والمشروعات الإستثمارية ذات الطابع الإنتاجي.
لقد أستطاعت الدول الرأسمالية أو دول إقتصاديات السوق أن تخرج من أزمتها الإقتصادية وأن تضمن نمو إقتصادياتها بتدخل الدولة في الحياة الإقتصادية وإتباع السياسات الكينزية بشأن تنشيط الطلب الفعال ، ولكن تلك الإقتصاديات ما لبثت أن عرفت الأزمة الإقتصادية من جديد في أوائل السبعينات.
إن ما يميز الأزمة الإقتصادية لسنوات السبعينات من الأزمة الإقتصادية في الثلاثينات هو ترافق التضخم والبطالة ، وهذا دفع الليبراليين الجدد إلى تفسير الأزمة بأنها نتيجة إتساع دور الدولة وسياستها النقدية والمالية.
ومهما يكن الأمر ، أمام تلك التطورات ، فإن الليبرالية ، حتى في صيغتها الجديدة ، لم تعد أكثر من تسمية تطلق على الإقتصاديين والسياسات الإقتصادية المؤيدة لإقتصاد السوق.
إذ أضحى تدخل الدولة في الحياة الإقتصادية من الحقائق المسلم بها ودور الدولة وأدواتها لم تعد مجهولة ينظر إليها بازدراء.
ولكن على الرغم من تغيُر مضمون العقيدة الليبرالية فإن دور الدولة في الحياة الإقتصادية ، في بلدان إقتصاديات السوق التي تنادي بالحرية الإقتصادية ، يختلف عنه في البلدان الإشتراكية التي تؤمن بالتوجيه المخطط للإقتصاد وبالملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.
وذلك لأن دور الدولة في إقتصاديات السوق ينحصر في ضمان التوازن والنمو الإقتصادي والقيام بالمشروعات العامة التي لا يقدُم على القيام بها الأفراد نتيجة عدم ربحيتها أو بسبب حاجتها إلى رؤوس أموال ضخمة ، وبذلك فإن الدولة في إقتصاديات السوق ليست أداة تهدف إلى تغيير الهياكل الإقتصادية والإجتماعية، وإنما هي عنصر منظم ومشجع للمبادرات الفردية.