“أحيانًا تَرغبُ بابتِلاع سَطر، احتضان صَوت أو ارتداءِ أحدَهم.”
هكذا كان شعورها في الفترة الأخيرة قبل الانسحاب غير الممهد والقرار الذي اتخذته لحفظ ماء وجهها حتى يعود الغائب من سفره وتعود معه المياه لمجاريها..
حتى تتخلص من لهفتها عليه، وشوقها إليه؛ قررت الذهاب إلى مكانٍ بعيد لا تعرف فيه أحدًا ولا أحد يعرفها..
قادتها قدماها إلى بحرٍ طالما حلمت أن تراه برفقة من تحب، على بعد ١٠٠ متر يوجد ممشى بسورٍ قديم، لكنها أحبته، وأثرت الصعود والاختلاء بنفسها لعلها تفيق..!
كانت تتحرك بخطوات ثابتة كأنها تعرف المكان منذ زمن، تارة تفرد ذراعيها في الهواء معلنة الانتصار، وتارة يغلبها الشوق فتلمم ذراعيها وتحضن نفسها في تؤدة وصبر شديدين..
حتى عبرت لرأسها فكرة..
ماذا إن جلبت أدوات الرسم وترى من ذا سعيد الحظ الذي سيخترق ذاكرتها فترسمه..!!
انفرجت أساريرها أكثر فأكثر وأخذت تدندن وهي تقفز بكلتا قدميها، ترفعها مرة وتنزلها مرة ” جزيرتنا حتة سكرة الشمس فيها منورة والخضرة فيها مزهرة والميه فيها.. الميه فيهاااااا مسكرة”
كأنها عادت بذاكرتها خمسٍ وعشرين سنة، حيث كانت تبلغ ثماني سنوات..
ما أن وصلت الشاطئ، جمعت كل ما تريد من أقلامٍ وفُرش واسكتش، ورجعت إلى المكان الذي شهد أول إحساس بالحرية..
هرولت إليه فرحة كطفل حصل على دميته التي يفضلها بعد عناء وظل يردد ” جزيرتنا حتة سكرة الشمس فيها منورة والخضرة فيها مزهرة والميه فيها.. الميه فيهاااااا مسكرة”
جلست على هذا الممشي، فردت حاجياتها، ثم اتخذت وضعية الرسم، حاولت رسم شخصية معروفة ممثلًا أجنبيًا تعرفه الغالبية العظمى (توم كروز)، لم أُفلح.. هربت الملامح من بين يدي، تذكرت شخصًا آخر اقترب منها بقدرٍ كافٍ، ترك بداخلها أثرًا قويًا تلاشى بمرور العمر، وخاصة بعدما قابلت حب عمرها..
لم تفكر كثيرًا وقالت لنفسها بصوت مسموع كأنها تحدث أحدًا أمامها :
اتركي نفسكِ تفعل ما تشاء، لا تقحمي العقل في تصرفاتك..
رسمت الحاجب الأيمن لم يكن لهذا الشخص ذو الأثر، غيرت مكانها فرسمت الحاجب الأيسر..
رفعت الورقة لأعلى ونظرت لهاتين العينين، إنهما..!!
وقعت دمعة منها على شفتيها فامتزجت بابتسامة جهدت في إخراجها، أعادتها لأيامهما معا..
سمعت صوت يحدثها :
ليس لديك إذا شيء تقولينه لي؟؟
ارتجفت بشدة، إلتفت لم تجد أحدًا..
سمعت السؤال مرة أخرى..!!
ليس لديك شيء تقولينه لي، لا شيء ؟!
صرخت لا شيء..
ألقت الأوراق والأقلام بعيدًا وهي تمسك أذينيها بكلتا يديها وتردد
لا شيء
لا شيء
لا شيء
حتى رأت ظله يتوارى في البحر، دون حس..
عادت مهرولة تاركة كل شيء خلفها إلى الشاطئ، إلى مكانها البائس تمامًا مثلها، عادت بقدمين ثقيلتين لا تقويان على حملها، قلبها كان يضرب صدرها حد الانفجار وكل طرقة منه بألم..
غفت لحظات، هكذا أحست
ما أن فتحت عينيها، نظرت باتجاه الممشى، كأن عمرها كله هناك، حياتها التي تكمن بخمس سنوات فقط، هناك..
جرت
جرت أكثر
لترى ما سبب التجمع ولمَ يقف هؤلاء الناس مدهوشين.. ؟!
نظراتها ضائعة، حجارة هنا، طين هناك، طريق طويل مملوء بالحجارة والطين واللاشيء فقط جفاف..!!
سألت أحد الحضور:
ألم يكن هنا بحرًا؟!
كان، لكن لم يعد
كل عام نمر بهذه الأزمة بنفس التوقيت ثم تمر بسلام..
انفتحت عيناها عن اخرهما بتحديقٍ لم تكن لتشعر به من قبل..
لكنها تذكرت قصة سيدنا يوسف
والآية القرآنية التي تشبه إلى حد كبير ما هم فيه..
قال الله عز وجل “يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)﴾ ”
أيقنت إنها نهاية الحزن وبداية عصر جديد بفرحة كبرى يدخرها لها المولى..
قامت فاغتسلت، توضأت ثم صلت، وتمنت أن لو لم يكن حلمًا، وكانت رأته حقًا واحتضنته بقوة وأكملا حياتهما معًا بعد خمس سنواتٍ عجاف مررن بها..
#أسماء_عبدالخالق