• يعد العنصر البشرى من أهم العناصر الإنتاجية التى يمكن أن تساهم فى تحقيق التنمية، ولن يؤدى هذا العنصر دوره بدون تعليم حيث يسهم التعليم فى تراكم رأس المال البشرى، وتشير نظريات النمو الاقتصادى إلى أن التقدم التكنولوجى يزيد من معدل النمو الاقتصادى فى الأجل الطويل ويزداد هذا التقدم التكنولوجى سرعة عندما تكون قوة العمل أفضل تعليما، ومن هنا فإن تراكم رأس المال البشرى يساعد فى التقدم التكنولوجى ويعد مصدرا من مصادر النمو المستدام. وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن رفع معدلات النمو المستدام يتم عن طريق زيادة الطاقة الإنتاجية والاستثمار فى الأصول الملموسة وغير الملموسة مثل الابتكار والتعليم والتدريب.
• وإذ إنه من الأمور المعروفة فى المجتمع العربى أن البطالة تشكل إحدى أكبر المشكلات التنموية، وترتكز تقرير مختلف المنظمات الدولية على حاجة البلدان إلى التركيز على استثمار رأسمالها البشرى كأساس للتقليل من البطالة، وهو أمر لابد معه من ربط التشغيل ومتطلبات سوق العمل بمخرجات التعليم والتكوين وبالأخص التعليم الجامعى، ذلك أن بطالة حملة الشهادات الجامعية تتزايد بشكل كبير فى كثير من دول العالم والعربية منها على وجه الخصوص. مما يدفع بالتفكير إلى كيفية الاستفادة من رأس المال البشرى من خلال الاستثمار فى التعليم ومدى ملاءمة ذلك التعليم مع متطلبات سوق العمل.
• وكما يقول الاقتصاديون أن الهدف الأساسى والرئيسى من الاستثمار فى القوة البشرية ينتهى إلى هدف تخليق عناصر فاعلة فى المجتمع وقادرة على الإنتاج، ويشكل تحقيق التوظيف رأس الأهداف التى توليها مختلف الدول أهمية كبرى وتدرجها فى سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى سياستها النقدية والمالية. ويترجم هذا الهدف أساسا فى إيجاد فرص عمل مناسبة للأفراد ويكون ذلك عن طريق الملاءمة بين رغبات أصحاب الأعمال وما يحتاجونه من مهارات وكفاءات تنتج عن الاستثمار فى رأس المال البشرى سواء عن طريق التعليم أو التدريب أو غيرها، وبالتالى تكون العمالة المطلوبة فى السوق على قدر كبير من المهارة فتزداد الإنتاجية.
• ومن هنا لابد من التأكيد على أن العنصر البشرى إذا ما تم الاستثمار فيه بطرق علمية جيدة، فلن تكون هنالك مشكلة فى البطالة أو ما يسمونه الزيادة السكنية، إذا ما تم تأهيل القوة البشرية واستثمارها فى تعليم جيد، وقد بدأ الاقتصاديون فى إيجاد علاقات بين الإنفاق على الاستثمار فى التعليم ومعدلات النمو الاقتصادى، ويعتبرون أن الإنفاق على التعليم هو نوع من الإنفاق الاستثمارى خصوصا فى هذه الفترة، على أن يكون ذلك التعليم قادرا على تحقيق احتياجات المجتمع. إذ يترتب على هذا الإنفاق ارتفاع فى مهارات وقدرات الأفراد ومن ثم زيادة مردودية هؤلاء الأفراد وكذا إنتاجيتهم وهذا ما يدفع بعجلة النمو إلى الأمام.
• وتمثل التجربة الصينية فى التنمية البشرية مثالا ممتازا لهذا الأمر، فقد سبقت وواكبت فى بعض الأحيان برامج التنمية البشرية بأداء اقتصادى فعال. فمع نمو الصين اقتصاديا وحاجتها المتزايدة إلى الأسواق الخارجية والاستثمارات والمواد الأولية تغيرت ملامح سياستها الخارجية تجاه الكثير من مناطق العالم المختلفة. فالصين التى كانت حتى أوائل الثمانينيات مجرد أكبر اقتصاد زراعى مكتف ذاتيا أصبحت فى عام 2005 سادس أكبر اقتصاد فى العالم، وبلغ إنتاجها المحلى الإجمالى 1.2 تريليون دولار أمريكى، ويتجاوز نموها الاقتصادى السنوى 9%، وتعد وفقا لبيانات 2006 رابع قوة اقتصادية فى العالم بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا. كما تمتلك نحو 100 مليار دولار أمريكى من احتياطيات النقد الأجنبى، لتصبح واحدة من كبريات الدول التى تملك احتياطيات من النقد الأجنبى.
• وإجمالا يمكننا القول أن العنصر البشرى «الإنسان» الذى هو أساس الوجود، وحجر الزاوية لهذا الكون، مهما تزايد عدده، فلا يمكن أن يتم اعتماده على أنه حجر عثرة أمام تقدم الدول، أو أنه سبب فى تخلف، ذلك رهينة أن يتم التعامل معه وفق الأساسيات العلمية السليمة، وأن يتم العناية به، إذ لا تقوم الدول بدونه، ولا مجال لتقدم دون بشر يدفعون ذلك التقدم، ويحرصون عليه، ويجنون ثماره فى نهاية المطاف.