الإكتفاء الذاتي _ بقلم المستشار / رفعت مهنى
الإكتفاء الذاتي autarcie تعبير يعني قدرة الكائن الحي على مواجهة مشكلاته بالإعتماد على ذاته حصراً، أما في المجال الإقتصادي فيعني السياسة التي تتبعها دولة ما بهدف تحقيق إكتفائها بالإعتماد على مواردها الذاتية فقط ، وقد يكون الإكتفاء الذاتي طبيعياً كما في بعض الأقاليم من البلدان المتخلفة التي تعيش في ظل إقتصاد الكفاف، أي تعيش على المنتجات التي تنتجها بنفسها من دون التعامل مع العالم الخارجي، أو يكون الإكتفاء الذاتي إقتصادياً، حين توجد مناطق جغرافية صالحة بطبيعتها لتكون مناطق إكتفاء إقتصادي، وفي غنى عن الإرتباط بالعالم الخارجي، وقد فرَّق الإقتصاديون بين الإكتفاء الذاتي المطلق والإكتفاء الذاتي النسبي:
• أمَّا الأول فلا يتجلى إلا في نموذج مجرد، ولاسيما عندما يتناول حدود دولة معينة بمعنى الدولة المنعزلة أو الدولة التجارية المغلقة وفق تعبير الفيلسوف الألماني فيخته J.G.Fichte وهي التي لا تُصدر أي جزء من إنتاجها ولا تستورد أي قسم مما تستهلكه إنما تستهلك كل ما تنتجه وتنتج فقط ما تستهلكه.
• أما الثاني أي الإكتفاء الذاتي النسبي فهو ممارسة إقتصادية عملية تهدف إلى تقليص إعتماد الدولة على علاقاتها مع العالم الخارجي وإلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الإكتفاء الذاتي الإقتصادي، وفي الواقع ليس هناك إكتفاء ذاتي مطلق، بل إكتفاء ذاتي نسبي تختلف درجاته من دولة إلى أخرى، وتسعى كل الدول إلى تحقيق الإكتفاء الذاتي الإقتصادي إلى هذا الحد أو ذاك بحسب إمكاناتها الطبيعية والبشرية والمالية.
المنظور التاريخي
يقول مؤرخو الأفكار والوقائع الإقتصادية أن ظهور فكرة الإكتفاء الذاتي الإقتصادي القومي ترجع إلى الفيلسوف اليوناني أرسطو الذي صاغ في كتابه «السياسة»، وفي الجزء السابع منه، نظرية الإكتفاء الإقتصادي القومي.
إذ قال بضرورة أن تكون المدينة المستقلة (أساس التنظيم السياسي عند الإغريق) أقل ما يمكن إتساعاً على أن توفر لسكانها رفاهية كافية، وأستمر اليونانيون في تأكيد هذا المطلب في كتاباتهم حتى بعد أن حققت مدنهم إزدهاراً بواسطة المبادلات الخارجية.
ولعل في القول العربي «ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج» تأكيداً لأهمية الإكتفاء الذاتي الإقتصادي في حياة الأمم والشعوب وخطورة الإعتماد على إستهلاك إنتاج الآخرين.
وفيما عدا بعض أنصار المذهب التجاري المتزمتين لم تجد فكرة الإكتفاء الذاتي الإقتصادي مدافعين عنها، فقد كان كُتّاب القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر يرفضون نظرية الإكتفاء الذاتي المطلق، ويدافعون عن فكرة الإكتفاء الذاتي الإقتصادي النسبي، وقد دعا هؤلاء إلى منع إستيراد البضائع التي تنافس المنتجات الوطنية، وإلى منع تصدير المواد الأولية اللازمة لتطوير الصناعة.
وكان أنصار الإكتفاء الذاتي الإقتصادي يدعون إلى تطوير الصناعة أكثر من دعوتهم إلى الإنعزال عن العالم الخارجي، كما يدعون إلى تحقيق فائض في المبادلات الإقتصادية الخارجية وليس إلى تحديدها.
وعلى إمتداد القرن التاسع عشر ظهرت إتجاهات الإكتفاء الذاتي الإقتصادي القومي خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن تلمس مثل هذه الإتجاهات في فرنسا وألمانيا.
ولكن مع الأزمة الإقتصادية العامة لعام 1929 بدأت فكرة القومية الإقتصادية تتجلى بوضوح، وبرز الإتجاه نحو الإكتفاء الإقتصادي على الذات القومية، حتى إن اللورد كينز Keynes الإقتصادي البريطاني المعروف نشر دراسة حول الإكتفاء الذاتي القومي عام 1923 مدافعاً عن فكرة الإكتفاء الذاتي القومي ومشيراً إلى أن مزاياها في الأحوال الراهنة (آنذاك) أعلى بكثير من الفوائد التي تحصل عليها الأمة نتيجة التخصص الدولي.
ويُعتبر الإكتفاء الذاتى من أهم أهداف التنمية المستدامة للشعوب ، لأنه إذا ملكت الشعوب القدرة على توفير حاجياتها الأساسية، ستملك قوتها، ومن يملُك قوتة يملُك قراره.
فالتنمية الحقيقية في الأساس هى إمتداد طبيعي للنضال الوطني في سبيل الإستقلال السياسي، لأنه لا معنى للإستقلال السياسي والوطن عالة على بلدان أخرى لتوفير حاجاته الأساسية.
فالواقع لدى كثير من شعوب العالم الثالث والشعوب الفقيرة، أنها تعاني من غياب التنمية، وتنتظر العون من الآخرين، ويكفيأن نُشاهد مشاهد الفقر والجوع والحروب في الدول الإفريقية والآسيوية الفقيرة، رغم ثرواتها الهائلة الطبيعية، ولكن هذا يرجع لسوء الإدارة والتخطيط والتنفيذ.
لذا نبع مفهوم الاكتفاء الذاتي كأحد تجليات التنمية المستدامة، لأن هدف التنمية النهائي تحقيق الكفاية للأفراد كأشخاص، والشعوب كجماعات.
ومن هنا يكون الاعتماد على الذات في مواجهة المعونات والقروض والإستثمارات الأجنبية، وإنهاء تقسيم المجتمع إقتصادياً بين شطر غنى يرتبط بالشركات الأجنبية ووكلائها، وشطر فقير يمثل ما يملكه أفراد الشعب من أراض وحرف تقليدية.
وهنا يأتي الإعتماد على الذات بمعنى التمحور على الذات الوطنية Self- Centered، ورفض الوصاية الأجنبية، ورفض إثراء أقلية وتهميش الأغلبية.
كذلك الدعوة إلى الوفاء بالإحتياجات الأساسية للشعب، في مواجهة نزعات الترف ومظاهر الإسراف، ومراعاة التنمية البيئية Eco-Development ضد نهب الموارد الطبيعية وإستنزافها، وأيضا دعم المشاركة الشعبية ضد طغيان الحُكام وبطانتهم وإهدار حقوق الإنسان.
وفي سبيل ذلك، لابد من أتخاذ سياسة تنموية وأقتصادية واضحة المعالم والخطوات والنهج، مع الأخذ في الحسبان أن هناك مناطق فيها الثروات الطبيعية الزراعية والرعوية، التي تحقق الإكتفاء الذاتي بشكل تلقائي، هذا في حالة الإستغلال الأمثل لمواردها.
وهناك مناطق تعاني بسبب طبيعتها الجغرافية من نقص في المواد الغذائية والصناعية، وبالتالي تظل حاجتها إلى العالم الخارجي قائمة، ولكن عليها أن تكون ذات إنتاجية عالية في مجالات معينة، تتيح لها المال الكثير لإستيراد ما تحتاجه من الخارج، دون الإستدانة أو المعونات.
وحقيقة الأمر، فإن الاكتفاء الذاتي يبدأ من الإعتماد على قدرات المجتمع الخاصة بأفراده، فهو ليس كياناً مجرّداً، وإنما هو مجموع أفراد، وأول ما يملكه قدراتهم وملكاتهم، وهذا هو المدخل الأساسي للتنمية.
فالإنسان يحتل قلب ساحة الفكر والحركة لأنه صانع التنمية الحقيقي، فموارد الطبيعة تظل جثة هامدة ما لم تمتد إليها يد الإنسان بعمله المبدع، وفكره المجدد.