هل الحب الحقيقي أن تضغط على نفسك لأجل من تحب ؟؟ أن يصبح ليلك كنهارك ؟؟ أن تصبح مقيدا بين أوراقك ودفاترك وتسجن نفسك في سجن ذكرياتك ؟؟ أن تظل أسيرا لوحدتك ويأسك ؟؟ خاضعا لدموعك ، ذليلا لجرحك ، مستسلما لضعفك ؟؟
هكذا وجدتها … كلما أنظر اليها من شرفة حجرتى أراها هزيلة الجسم شاحبة اللون يبدو عليها علامات الحزن والشجن ، مرسوم على جبهتها المعاناة والألم وكم هائل من المحن … تتساقط على وجنتيها أنهار من الدموع تصحبها الحسرة والندم فتحول عالمها إلي ليل حالك مازالت تبحث فيه عن بارقة أمل ، شعاع ضوء … ولكن أين ؟؟ فلم يتبقى لها أمل
فهى دائما سارحة شاردة الذهن متعمقة في التفكير محملقة في شرفتها في انتظار شخص ما لا أعلم إن كان حبيب أرهقها حبه أم خسيس أضلها بهواه وسلب قلبها وحريتها وأهان كبريائها وعزة نفسها … ؟؟!!
قررت حينها أن أتقرب إليها لأخرج ما بها من آلام ، أحمل عنها ولو قليلا من الأحزان حتى تخرج من هذا العالم الملئ بالأوهام والذي نسجته لنفسها ولا أدرى ان كان عقابا أم غرام …؟؟!!
بالفعل ذهبت إليها وتحدثنا ولكن الغريب في الأمر أنها كانت تتحدث بشموخ وثقة بالغة ينم عن شخصية قوية على الرغم من وضوح ضعفها وقلة حيلتها ويأسها التى
كانت تخفيهم خلف ستار قوتها وجاذبيتها
استرسلت معها في الحديث وكانت أغلى كلماتها لي ” الحب الحقيقي هو أن ترمى لمن تحب بطوق النجاة في لحظة الغرق ، أن تتجرد من أنانيتك من أجله ولا تفرض عليه مشاعرك وأحلامك ولا تصطاد قلبه في الماء العكر بل يجب أن تكون مرأة كي تقوم بها عيوبه وكذلك تكون له جسر الأمان الذي يعبر عليه في لحظات الخوف..ولا تنتظر المقابل ”
فاستوقفتها متعجبة وقلت لها من ذا الذي يستحق كل هذا الحب وكل تلك التضحيات ؟؟!! فقالت ” إن أحببتى بصدق ستعلمين حينها ما أقول وستشعرين بما أحس به الآن ، لأن المرآة إن أحبت فأنها تتحبه أكثر من ذاتها وتمنحه كل شئ ولا تنتظر المقابل ”
نبرتها البائسة تلك أعطتنى الحق في سؤالها عن سبب وصولها لما هي عليه ومن هو المسؤل عن سوء حالتها وانطوائها وبعدها عن أعين الناس ؟؟
فبدأت في سرد قصتها حيث قالت أنها أحبت حبا تكافؤيا في كل شئ المستوى الاجتماعي والثقافي والفكري … فأعطته كل ما تملك من حب ومشاعر ، أئتمنته على قلبها ووضعت كامل ثقتها فيه وهو كذلك بادلها هذا الحب وأكثر ، ولكن بعد فترة ابتعد كل منهما عن الأخر ، حدثت بينهما فجوة لم تعرف سببها… وكانت هناك رسالة تائهة بين السطور لم تعي فحواها وهى لا تعلم ولم تعد تدرك ماذا حدث وما الذي دهاه وأبعده وأقسي قلبه ؟؟ ومن هنا بدأ في التهرب منها وشرع في اختلاق أعذار واهية ويتحجج بظروف غير منطقية …
فقاطعتها قائلة ” لما لم تحاولى نسيانه وطرده من حياتك للأبد ؟؟ ” فقالت “كل مرة أحاول نسيانه فيها يمر في خاطري سجل حياتى الحافل بالضياع منذ فقدانه ، فأضعف وأحن مرة أخرى وأتناسي الألام والأوجاع …ولكن للحظة أفقت لنفسي وقررت اعتزال عالمه والخروج منه بأقل خسائر ممكنه ومحاولة انقاذ نفسي من مصيرها المجهول … وبالفعل أغلقت هاتفى واعتزمت الرحيل نهائيا وعدم العودة مهما كانت الأسباب والدوافع وفى هذا التوقيت بالذات كنت على يقين أنه سيتصل بي مجددا ولا أعلم من أين أتتنى تلك الثقة وما توقعته قد حدث حيث وجدت مكالمة منه في صباح اليوم التالى فلم أهتم ولكننى وجدت ملامحى قد اختلت وعلت الدهشة جبهتى وقليل من الندم على غلقى الهاتف ، ولكن سرعان ما استعدت رباطة جأشي وتذكرت أخطائه في حقى وأكملت يومى واستمريت على هذه الحال فترة قليلة حيث كنت أحاول الالتزام بالثبات والقوة لا بالضعف والعلة ولكن عند اصطدامى بموقف أحسست فيه بعدم الأمان وشدة احتياجى له حاولت الاتصال به وكان هذا خطأى الذى ندمت عليه لاحقالأنه لم يكلف نفسه عناء الرد على اتصالى أو حتى محادثتى عندما ينهى عمله فصمت واتخذت من حجرتى الخاصةمخبأ لأسرارى وحكاياتى … لأحزانى وأشجانى ، وبعد فترة قليلة اتصل بي ولا أعلم لما لم أحافظ على موقفى ورددت عليه ودارت في ذهنى العديد من
التساؤلات … أهو شوقى اليه الذى لم يجد ما يروى ظمأه وظل سارحا فى دروب الحرمان وعندما وجد ضالته ذهب اليه مهرولا ليروى ظمأ السنين ؟؟ أم هو حبي الجارف له والذى كان فى انتظار اشارة منه ؟؟ لا أعلم تحديدا ، وللأسف كان جافا فى حديثه … فقاطعتها قائلة ” معظم الأشياء حين تنكسر تصدر صوتا يسمعه الجميع الا القلب حين ينكسر يصدر أنينا لا يشعر به الا صاحبه …فلما تعذبين نفسك ؟؟ لما لم تسدلى الستار على تلك المسرحية التراجيدية ؟؟؟
فقالت ” لم أستطع نسيانه قط أو أننى لا أريد داخليا أن أنساه فروحى تبحث عنه ليل نهار ، أحتاج اليه ، أشتاق لحديثه ولأيامنا سويا على الرغم أننى أتذكر كلماته التى قالها لي لأبتعد عنه فقد طلب منى المضى قدما فى حياتى وأنظر الى مستقبلى ولكننى لم أستطع القبول بأى شخص مما تقدمون لخطبتى لأننى أراه العائق الوحيد فلم أتخيل أن أكون لغيره حتى وان تمكن هو من نسيانى فأنا لم أعد ملكا لنفسي فكل جوارحى تناديه ، وأبحث عنه بين جوانح الليل ، بين طيات الصحف ، بين جنبات فكرة ، وبين ثنايا أوراقى وبين سطور أمسياتى ولم أجده فزادت نار شوقى اشتعالا لدرجة شم فيها الجميع احتراق مهجتى وكل ذلك بفضل افراطه فى اللامبالاة وتهميش مشاعرى الذى وصل الى حد التعمد …التعمد فى كل شئ التعامل الجاف ، النسيان ، محاولة طمس ما تبقى بيننا من حب لابعادى عن طريقه حتى لا أتألم أكثر من وجهة نظره ، فتحول عمرى كله الى نوع من الرؤى الكابوسية التى لا نهاية لها فى الأفق وبدورها تحارب حاضرى ومستقبلى … واحجامه عنى الذي يصيب مشاعرى بالاحباط ويعوق مرور كلماتى وظهورها على الصفحات بل يكاد يوقفها … فحاولت تحاشي كونه صار قيدا علي أرهقنى وأدمى فؤادى رغم احتفاظى بعهوده التى لم يصنها ولكن في النهاية أنا بشر … أنثى تعانى وتتألم فأيقنت حينها أننا وصلنا الى مفترق الطرق لأننا دخلنا الآن الى دائرة الحنين التى يتخللها ماضينا الجميل الذي انتهى أمره وصار كليل حزين لا تخفيه السنين ولا يعيده الحزن والأنين … فدارت في ذهنى العديد من التساؤلات التى تقلقنى وتثير شكوكى وتبث داخلى الحيرة والخوف فهل هناك من يستطيع إعادة الحياة إلي نفسي بعد أن أضنتها السموم ؟؟ هلا سأجد من يعبر بي من كهوف الظلام الى بقاع النور ؟؟ هل سأجد من يمسك بي ويأخذنى الى بر الأمان ؟؟
فأجبتها أن حياتنا لا تتوقف عند أناس تخلو عنا وتركونا في منتصف الطريق فاعلمى جيدا أنه لم يكن مقدرا لك من البداية وأن الله تعالى كتب لك خيرا منه فلا تحزنى ولا تبتأسي وأخرجى من ألمك وحزنك وعودى الى أمالك وأحلامك …
فنظرت اليا بتحد غريب وكأنها تتحدانى وتتحدى نفسها وقالت فى هدوء ” إن النصيحة إذا خرجت من قلب صادق فانها تخرق الحواجز وتصل الي القلوب فتكون كالغيث يصيب أرؤضا ميتة فتهتز وتحيا بإذن الله ” ، وهذا ما فعلته بي وشكرتنى لأنها استمدت طاقة غير طبيعية أظهرت ارادتها القوية وأمالها وطموحاتها المنسية وقررت استغلال مواهها التى كانت عنها غائبة مطوية وتحقيق أحلامها التى كانت فى دروب الحب ضائعة مخفية …….
أسماء عبد الخالق