نظريات التنمية الإقتصادية
مع تصاعد أزمة التنمية في العالم الثالث وبروز ملامح فكر تنموي جديد، صار يُنظر إلى التنمية بوصفها ظاهرة كلية، لها جوانب إقتصادية وإجتماعية وثقافية وسياسية، وهي، في جوهرها، عملية تحرير ونهضة حضارية شاملة، ترمي إلى تخليص البلدان المستقلة من ظواهر التخلف وتحريرها من علاقات التبعية، وتعبئة طاقاتها الذاتية وتوظيفها في إقامة بنيان إقتصادي وإجتماعي وسياسي جديد، يضمن:-
أولاً : إشباع الحاجات الأساسية، المادية والمعنوية، لجماهير الشعب، كالغذاء والكساء والمسكن والتعليم والعلاج والحاجات الثقافية والإعلامية.
ثانياً : يسعى إلى رفع مستوى رفاهية الشعب.
إن ما يسمى «نظريات التنمية» هي مجموعة من الكتابات غير المتكاملة وغير المتناسقة، كتبها عادة كتاب غربيون بهدف تقديم «بنى نظرية» لتحليل الأوضاع الغالبة في بلدان العالم الثالث وتبيان كيفية تجاوز حالة التخلف، ومن أبرز هذه النظريات:-
1 ـ نظرية «مراحل النمو» (و. و. روستو W.W.Rostow) ، التي حاولت أن تعالج التنمية (والتخلف) من منطلق تاريخي، مفترضة أن المجتمعات تمر في تطورها بخمس مراحل هي:-
(مرحلة المجتمع التقليدي، ومرحلة التهيّؤ للانطلاق، ومرحلة الإنطلاق، ومرحلة التقدّم نحو النضج، ومرحلة الإستهلاك الواسع)، وأن البلدان المتخلفة ستصل إلى مرحلة الإستهلاك الهائل التي وصلت إليها البلدان الغربية المتقدمة، بقطع هذه المراحل من النمو الطبيعي والتلقائي الذي يحركه التطور التقني أساساً.
2 ـ نظرية «التنمية المتوازنة» (راجنار نوركس R.Norkse)، وهي تقترح أن يتم كسر «الحلقة المفرغة» للتخلف بتوجيه النمو أساساً نحو السوق الداخلية، وذلك بتوظيف رؤوس الأموال في عدد كبير من القطاعات الإنتاجية مما يؤدي إلى مضاعفة حجم العمالة، ويزيد مداخيل السكان، ويوسِّع إطار السوق الداخلية، ومع أن «نوركس» يعطي الأولوية لتطوير الصناعات المنتجة للمواد الإستهلاكية، إلا أن هناك من يرى أنه يمكن إعطاء دفعة قوية، في الوقت نفسه، لقطاعي إنتاج سلع الإستهلاك ووسائل الإنتاج، بل لجميع قطاعات الإقتصاد.
3 ـ نظرية «التنمية غير المتوازنة» (أ. هيرشمان A.O.Hirshman)، وهي تنطلق من أن النمو المتوازن الذي يتطلب إستثمارات ضخمة هو فوق طاقة البلدان المتخلفة، وتدعو إلى تركيز الجهود الإنمائية على عدد محدود من القطاعات التي تولد الحاجة إلى تطوير قطاعات أخرى، مفترضة أن الإستثمار غير المتوازن يُكمل عدم التوازن القائم فعلاً بين القطاعات الإقتصادية، ويرى هيرشمان أن أفضل وسيلة لتحقيق النمو الإقتصادي هي توليد إختلال مُتعمد في الإقتصاد، ويشير إلى أن التنمية في البلدان الرأسمالية المتقدمة إنطلقت بداية من بعض الأنشطة والقطاعات التي حفزت أنشطة قطاعات أخرى.
4 ـ نظرية «التنمية القطبية» (فرانسوا بيرو F.Perroux)، وتنطلق من أن النمو لا يمكن أن يظهر دفعة واحدة في كل مكان، وأن من الضروري التركيز على قطب أو أقطاب للتنمية، يتشكل من مجموعة من الصناعات المتحلقة حول صناعة رئيسية تتمتع بأثر تحريضي كبير.
5 ـ نظرية «التكامل الإقتصادي العالمي» (غونار ميردال G.Myrdal)، وهي تنظر إلى التكامل الإقتصادي بين البلدان المتقدمة والبلدان المتخلفة بوصفه أساساً لحل مشكلة التنمية، وتدعو إلى إحداث تغييرات رئيسية على الهيكل الإجتماعي في البلدان المتخلفة، بما يؤدي إلى زيادة الإدخار على حساب الإستهلاك لاسيما الإستهلاك الطفيلي غير المنتج.
6 ـ نظريات أنصار «مدرسة التبعية»، التي ترى في التخلف والتنمية هيكلين جزئيين لنظام إقتصادي عالمي واحد، يقوم على أساس وجود «مركز» يتمثل في البلدان الرأسمالية المتقدمة، و«أطراف» تتمثل في البلدان المتخلفة في «القارات الثلاث»، وتؤكد أن سعي «الأطراف» إلى فك إرتباطها بـ«المركز» والتخلص من علاقات التبعية شرط لابد منه لضمان سيرها على طريق التنمية.