مقالات رأي

الخصخصة فى الدول النامية و تطورها التاريخي

القاضى المستشار / رفعت مهنى مهاود

الخصخصة فى الدول النامية و تطورها التاريخي

بقلم القاضى المستشار / رفعت مهنى مهاود

ساد القرن التاسع عشر خاصة النظام الليبرالي التقليدي الذي يقوم على الحرية المطلقة للقوى الإقتصادية ضمن السوق، وبتحقيق التوازن الإقتصادي عن طريق تفاعل العرض والطلب والمنافسة التلقائية، وذلك من دون أي تدخل من جانب الدولة، وبما يؤدي بالتالي إلى تضاؤل دور الأجهزة الحكومية ليقتصر على الخدمات الضرورية مثل الأمن الداخلي والخارجي وتوفير العدالة، إلا أن القرن العشرين حمل أفكاراً مغايرة عن دور الدولة، حيث تطور دورها من مجرد حارس، إلى مشارك في مختلف نواحي النشاط الإقتصادي والإجتماعي المختلفة، وتمثل ذلك في العمل على توفير عدد من الخدمات والسلع الرئيسية للمواطنين، وظهرت بالتالي أفكار عن دولة الرفاهية، والتي تصاعدت خاصةً مع ظهور الأفكار الإقتصادية لكينز والتي أوضحت أن الإستقرار الإقتصادي وتحقق مستوى معقول من النشاط قد يتطلب تدخلاً مباشراً من الدولة في الإنفاق العام لضمان مستوى كاف من الطلب الفعال، ومن ثم جاءت الحرب العالمية الثانية بكوارثها الإقتصادية خصوصاً لتزيد من الدور الإقتصادي والإجتماعي للدولة، كما تعاظم دور الدولة في الدول المستقلة حديثاً، والتي واجهت تحديات التنمية الإقتصادية، والتي لم يكن ممكناً أن ينهض بأعبائها سوى الدولة، بسبب قصور إمكانات الرأسمال الخاص المحلي، وضعف كفايات التنظيم لدى الأفراد، وقد دعم كل هذه الإتجاهات الإنبهار بالأفكار الإشتراكية القائمة على نقد أقتصاد السوق وتبني الإقتصاد الموجه، وقد كان من الطبيعي في ظل هذا المناخ أن تسود حركة تأميمات واسعة لمشروعات أقتصادية كبرى أدت إلى نقل ملكية هذه المشروعات إلى الأمة.

ولكن مع نهاية ستينات القرن العشرين بدأت تظهر ملامح الترهل في الإقتصاد، حتى بدت دولة الرفاهية غير قادرة على الوفاء بإلتزاماتها، مما أدى إلى تصاعد الدعوات إلى إعادة النظر في صيغة النظام الإقتصادي، وقام تيار محافظ ينسب هذا الوهن إلى التوسع في دور الدولة في الحياة الإقتصادية، وجاء نجاح حكومة مارغريت تاتشر سنة 1979 ثم أنتخاب ريغان سنة 1980 في الولايات المتحدة تأييداً لهذا التيار الذي يرغب في حكومة أصغر، والذي يدعو إلى العودة إلى السوق، وتخلي الدولة عن التدخل المباشر في الإنتاج، وبيع مؤسسات القطاع العام إلى الأفراد والمشروعات الخاصة، وبدلاً من أستخدام الكلمة العكسية للتأميم وهي تنازل الأمة عن ملكيتها Denationalization، فقد أختارت تاتشر تعبير الخصخصة أو التخصيص لأن كلمة شخصي أو خاص Private تشير إلى معنى الخصوصية، وهي أكثر التصاقاً بحقوق الأفراد وحرياتهم، وقد عاصر ذلك كله أزمة المديونية في دول العالم الثالث، وهي مديونية نشأت عن ديون عامة عقدتها في أغلب الأحوال حكومات قليلة الكفاءة، لذلك تركزت نصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للإصلاح الإقتصادي على ضرورة أستعادة أقتصاد السوق، ومبادرة القطاع الخاص، وتقليص دور الدولة خاصة في الإنتاج، وبحيث تصبح الدولة منظماً Regulator وواضعاً للسياسات الإقتصادية، وضامناً لحسن أنتظام قواعد السوق، وبالفعل فقد تم في بريطانيا وفي المدة الواقعة بين 1980 و1988 بيع أكثر من40% من القطاع العام البريطاني إلى القطاع الخاص، إضافة إلى 16 شركة من الشركات التي كانت خاضعة لرقابة الدولة، أما في فرنسا فإنه بدءاً من سنة 1986 وفي ثلاث سنوات تم تخصيص 138 شركة قيمتها نحو 20 بليون دولار، كذلك قامت الحكومة التركية ببيع أكثر من 63 شركة مملوكة للدولة، أما في العالم العربي فقد أقدمت الحكومة المصرية على بيع أسهم شركات القطاع العام غير الإستراتيجية، إلى الأفراد وهيئات القطاع الخاص بعد صدور قانون قطاع الأعمال العام سنة 1991، كقانون أنتقالي يهدف إلى تحويل شركات القطاع العام إلى شركات قطاع أعمال كخطوة أولى، تمهد في خطوة ثانية لبيعها إلى القطاع الخاص.

الخصخصة في الدول النامية

يمكن رصد الكثير من المشكلات التي تكتنف عمليات الخصخصة في هذه الدول:

أ ـ قد لا تقوم الخصخصة في مناخ قانوني سليم، حيث تفقد أساسها الدستوري، كما تفقد القواعد الناظمة لهذه العمليات، مما يطبعها بطابع العشوائية والإرتجال.

ب ـ ينقص عمليات الخصخصة في هذه الدول السوية الكافية من الشفافية والوضوح، حيث يلفها الفساد والغموض، ويتسم تنفيذها بإنعدام قواعد الكفاية والعدل.

ج ـ تواجه بعض هذه الدول صعوبات جمة في التحول من الإقتصاد المخطط إلى إقتصاد السوق الذي يعتبر البيئة الطبيعية التي تعيش ضمنها الخصخصة.

د ـ ضعف القطاع الخاص، الذي لا يمكنه الإضطلاع بعبء مشروعات إنتاجية بمستوى المشروعات المخصخصة، مما يقود إلى الإستعانة بالمستثمرين الأجانب، من دون قيود، مع ما يحمله ذلك من تبعات قد تكون خطيرة على هوية الإقتصاد الوطني ذاته، وعلى وجوده.

هـ ـ إحجام المستثمرين الأجانب عن شراء المشروعات المطروحة للخصخصة، نتيجة عدم الثقة بقدرة السوق الداخلية على إنجاح تلك المشروعات، من حيث الجدوى الإقتصادية، وعدم الثقة بالمناخ الإداري، والأمن القانوني la sécurité juridique، كعاملين حاسمين لنجاح ذات المشروع.

و ـ مازال ينظر إلى الخصخصة في الدول النامية بعين الريبة والشك، بوصفها أسلوباً إقتصادياً مفروضاً من قبل قوى إقتصادية، وسياسية خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى